ابن كثير

376

السيرة النبوية

ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن ( 1 ) . فسمعت صوتا في النور وهو يقول : ظهر الاسلام ، وكسرت الأصنام ، ووصلت الأرحام . فانتبهت فزعا ، فقلت لقومي : والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث ، وأخبرتهم بما رأيت . فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له أحمد قد بعث ، فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال : " يا عمرو بن مرة ، إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الاسلام ، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام ، وعبادة الله ورفض الأصنام ، وحج البيت ، وصيام شهر من اثنى عشر شهرا وهو شهر رمضان ، فمن أجاب فله الجنة . ومن عصى فله النار ، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم " . فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام ، وإن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام ، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به ، وكان لنا صنم وكان أبى سادنا له ، فقمت إليه فكسرته ثم لحقت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول : شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الأحجار أول تارك فشمرت عن ساقى إزار مهاجر * إليك أدب الغور بعد الدكادك ( 2 ) لأصحب خير الناس نفسا وولدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مرحبا بك يا عمرو بن مرة " . فقلت : يا رسول بأبي أنت وأمي ، ابعث بي إلى قومي ، لعل الله أن يمن بي عليهم كما من بك على .

--> ( 1 ) أبيض المدائن : قصر كسرى . ( 2 ) الوفا والخصائص : فشمرت عن ساقى الإزار مهاجرا * إليك أجوب الدعث بعد الدكادك والدكادك : الأرض المستوية .