أبو علي سينا

185

قانون

ان السفر في البرد الشديد عظيم الخطر مع الاستظهار بالعدد والأهب فكيف مع ترك الاستظهار فكم من مسافر متدثر بكل ما يمكن قد قتله البرد والدمق بتشنج وكزاز وجمود وسكتة ومات موت من شرب الأفيون واليبروح فإن لم يبلغ حالهم إلى الموت فكثيرا ما يقعون في الجوع المسمى بوليموس وقد ذكرنا ما يجب أن يعمل فيه وفي الأمراض الأخرى في موضعه وأولى الأشياء بهم أن يسدوا المسام ويحفظوا الانف والفم من أن يدخلهما هواء بارد بغتة ويحفظوا الأطراف بما سنذكره وإذا نزل المسافر في البرد فلا يجب أن يدفئ نفسه في الحال بل يتدرج يسيرا يسيرا في دفء ويجب أن لا يستعجل إلى الصلاء بل أن لا يقربه أحسسن وان كان لم يجد بدا تدرج إلى ذلك وأولى الأوقات به ان يجتنبه فيه إذا كان من عزمه أن يسير في الوقت ويخرج إلى البرد هذا ما لم يبلغ البرد من المسافر مبلغ الايهان واسقاط القوة وأما إذا عمل فيه الخصر فلا بد من استعجال التدفي والتمرخ بالادهان المسخنة خصوصا ما فيه ترياقية كدهن السوسن وإذا نزل المسافر في البرد وهو جائع فتناول شيئا حارا عرض به حرارة كالحمى عجيبة وللمسافرين أغذية تسهل عليهم أمر البرد وهي الأغذية التي يكثر فيها الثوم والجوز والخردل والحلتيت وربما وقع فيها المصل ليطيب الثوم والجوز والسمن أيضا جيد لهم وخصوصا إذا شربوا عليها الشراب الصرف ويحتاج المسافر في البرد إلى أن لا يسافر خاويا بل يتملئ من غذائه ويشرب الشراب بدل الماء ثم يصبر حتى يقر ذلك في بطنه ويسخن ثم يركب والحلتيت مما يسخن الجامد في البرد خصوصا إذا سلم في الشراب والشربة التامة درهم من الحلتيت في رطل من الشراب وللمسافر في البرد مسوحات تمنع بدنه عن التأثر من البرد منها الزيت وغير ذلك والثوم من أفضل الأشياء لمن برد عن هواء بارد وان كان يضر بالدماغ والقوى النفسانية * ( الفصل الخامس في حفظ الأطراف عن ضرر البرد ) * يجب أن يدلكها المسافر أولا حتى تسخن ثم يطلبها بدهن حار من الادهان العطرة مثل دهن السوسن ودهن ألبان والميسوسن لطوخ جيد لهم فإن لم يحضر فالزيت وخصوصا إذا جعل فيه الفلفل والعافر قرحا أو الفربيون والحلتيت أو الجندباد ستر ومن الأضمدة الحافظة للأطراف أن يجعل عليها قنة وثوم فإنه أمان ولا كالقطران ولا يجوز أن يكون الخف والدستبانج بحيث لا يتحرك فيه العضو فان حركة العضو أحد الأسباب الدافعة عنه البرد والعضو المخنوق يصيبه البرد بشدة وإذا غشى بكاغد وشعر أو وبر كان أوقى له وإذا صارت الرجل مثلا أو اليد لا تحس بالبرد من غير أن يخف البرد ومن غير أن يزيد في وقايته بتدبير جديد فاعلم أن الحس في طريق البطلان وان البرد قد عمل فيه فليدبر مما تعلمه الآن وأما إذا عمل البرد في العضو فأمات الحار الغريزي الذي كان فيه وحقن ما كان يتحلل منه في جوهره وعرضه للعفونة فربما احتيج ان يفعل في بابه ما قيل في باب القروح وخصوصا الا كآلة الخبيثة وأما إذا ضربه البرد ولم يعفن بعد بل هو في سبيله فالأصوب أن يوضع الطرف في ماء الثلج خاصة أو ماء طبخ فيه التين وماء الكرنب وماء الرياحين وماء الشبث وماء البابونج كله جيد والتردوغ لطوخ جيد وماء الشيخ وماء الفودنج وماء النمام والتضميد بالسلجم دواء جيد نافع له ويجب أن يجنب النار وقربها ويجب في الحال أن يمشى ويحرك الرجل والطرف فيروضه ويدلكه ثم يمرخه ويطلبه وينطله بما قلناه