ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )
97
الامامة والسياسة
لها : اختاريني ، أو اختاري الثوب الذي عمل لك أبوك ، وكان قد عمل لها أبوها عبد الملك ثوبا منسوجا بالذهب ، منظوما بالدر والياقوت ، أنفق عليه مائة ألف دينار . فقال لها : إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجعله في بيت المال ، وإن اخترت الثوب ، فلست لك بصاحب . فقالت : أعوذ بالله يا أمير المؤمنين من فراقك ، لا حاجة لي بالثوب . فقال عمر : وإنا أفعل بك خصلة ، أجعل الثوب في آخر بيت المال ، وأنفق ما دونه ، فإن وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين ، وإنما هو من أموال المسلمين أنفقت فيه ، وإن بقي الثوب ولم أحتج إليه ، فلعل أن يأتي بعدي من يرده إليك . قالت : افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك . ثم دخل عليه ابنه ، وعليه قميص تذعذع ( 1 ) . فقال له عمر : ارقع قميصك يا بني ، فوالله ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم . ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز قال : وذكروا عن عبد الأعلى بن أبي المشاور ، أنه أخبرهم قال : قدم جرير شاعر أهل العراق وأهل الحجاز على عمر ، أول ما استخلف ، فأطال المقام ببابه ، لا يصل إليه حتى قدم عليه عون بن عبد الله الهذلي ، وكان من عباد الناس وخيارهم ، وعليه جبة صوف وعمامة صوف قد أسد لها خلفه ، فجعل يتخطى رقاب الناس من قريش ، بني أمية وغيرهم ، لا يمنع ولا يحجب هو ومثله من أكابر الناس وخيارهم ، وفضلاء العباد ، وقريش لا يصلون ولا يدخلون فلما خرج عون بن عبد الله ، اتبعه جرير بن الخطفى وهو يقول يا أيها الرجال المرخى عمامته * هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه * أتى لدى الباب كالمصفود ( 2 ) في قرن فاحلل صفادي ( 3 ) فقد طال المقام به * وشطت ( 4 ) الدار عن أهلي وعن وطني قال فضمن له عون بن عبد الأعلى أن يدخله عليه . فلما دخل على عمر قال : يا أمير المؤمنين ، هذا جرير بن الخطفى بالباب ، يريد الإذن . فقال عمر : ما كنت أرى أحدا يحجب عني . قال : إنه يريد إذنا خاصا قال له عمر : إله عن ذكره ، ثم حدثه طويلا ، ثم قال يا أمير المؤمنين : إن جريرا بالباب : فقال : إله عن ذكره . قال إذا لا أسلم من لسانه . فقال عمر : أما إذ قد بلغ منك خوف لسانه ما أرى فأذن له . فدخل جرير . فلما كان قيد رمح أو رمحين ( 5 ) وعمر
--> ( 1 ) تذعذع : تمزق وتقطع ( 2 ) المصفود : المقيد ، والقرن : الحبل ( 3 ) صفادي : تقييدي ( 4 ) شطت الدار : بعدت ( 5 ) قيد : مقدار ومسافة ، والرمح مقدار طوله متر ونصف ، أي فلما قرب جرير من الخليفة مقدار متر ونصف أو ثلاثة أمتار