ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )

35

الامامة والسياسة

الذي قلت وأنت في عز ومنعة لتابعتك ، ولكنك قلت الذي قلت وقد بلغ السيل الزبى ( 1 ) ، وجاوز الحزام الطبيين ، فانقض التوبة ولا تقر بالخطيئة . ما أنكر الناس على عثمان رحمه الله قال : وذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه ، وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله ، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين ، وما كان من تطاوله في البنيان ، حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة : دارا لنائلة ، ودارا لعائشة وغيرهما من أهله وبناته ، وبنيان مروان القصور بذي خشب ( 2 ) ، وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله ، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور ، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات ثم قال لهم : إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم ، وتعطيله إقامة الحد عليه ، وتأخيره ذلك عنه ، وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شئ ولا يستشيرهم ، واستغنى برأيه عن رأيهم ، وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة ، وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم لا يغزون ولا يذبون ( 3 ) ، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط ، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس ، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران . ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان ، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة ، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار ، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده ، فمضى حتى جاء دار عثمان ، فاستأذن عليه ، فأذن له في يوم شات ، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية ، فدفع إليه الكتاب فقرأه ، فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : نعم ، قال : ومن كان معك ؟ قال كان معي نفر تفرقوا فرقا

--> ( 1 ) الزبى جمع زبية وهي المكان في أعلى الجبل ، والطيبان تثنية طبي وهو ثدي الدابة وإذا جاوز حزام البرزعة الطبى فقد حان سقوطها ، والمعنى أن الأمر بلغ منتهاه وكاد يفلت زمامه من يدك . ( 2 ) ذو خشب بضم الخاء والشين موضع بالمدينة . ( 3 ) لا يذبون : لا يدافعون عن الإسلام . ( 4 ) فرقا : بفتح الفاء والراء : يعني خوفا منك .