ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )

17

الامامة والسياسة

منه ، فجعل يضرب بثوبه وجوههم ، حتى فرغوا من البيعة ، فقال فعلتموها يا معشر الأنصار ، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم ، قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء . قال أبو بكر : أمنا تخاف يا حباب ؟ قال : ليس منك أخاف ، ولكن ممن يجيئ بعدك . قال أبو بكر : فإذا كان ذلك كذلك ، فالأمر إليك وإلى أصحابك ، ليس لنا عليكم طاعة ، قال الحباب : هيهات يا أبا بكر ، إذا ذهبت أنا وأنت ، جاءنا بعدك من يسومنا الضيم . تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه عن البيعة فقال سعد بن عبادة : أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض ، لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت وأصحابك ، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع ، خاملا غير عزيز ، فبايعه الناس جميعا ، حتى كادوا يطئون سعدا . فقال سعد : قتلتموني . فقيل : اقتلوه قتله الله فقال سعد : احملوني من هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياما ، ثم بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه : أن أقبل فبايع ، فقد بايع الناس ، وبايع قومك ، فقال : أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب ( 1 ) منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الأنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي ، وأعلم حسابي . فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله ، قال عمر : لا تدعه حتى يبايعك ، فقال لهم بشير بن سعد : إنه قد أبى ولج ، وليس يبايعك حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه ، وأهل بيته وعشيرته ، ولن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج ، ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس ، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم ، فاتركوه فليس تركه بضاركم ، وإنما هو رجل واحد ، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد ، واستنصحوه ( 2 ) لما بدا لهم منه . فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع ( 3 ) بجمعتهم ، ولا يفيض ( 4 ) بإفاضتهم ، ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم ، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم ، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر رحمه الله ، وولي عمر بن الخطاب ، فخرج إلى الشام ، فمات بها ، ولم يبايع لأحد ، رحمه الله . وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى

--> ( 1 ) أخضب : الخضاب الحناء . والمراد حتى أسيل دمكم على سناني ورمحي . ( 2 ) استنصحوه : وجدوه ناصحا لهم عاملا لخيرهم . ( 3 ) أي لا يصلي الجمعة معهم . ( 4 ) أي لا يمشي معهم في الحج .