ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )

15

الامامة والسياسة

فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء ، وأنتم الوزراء ، لا نفتات ( 1 ) دونكم بمشورة ، ولا تنقضي دونكم الأمور . فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه ، فقال : يا معشر الأنصار : املكوا عليكم أيديكم ، فإنما الناس في فيئكم ( 2 ) وظلالكم ، ولن يجير مجير ( 3 ) على خلافكم ، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والنجدة ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون ، فلا تختلفوا ، فيفسد عليكم رأيكم ، وتقطع أموركم ، وأنتم أهل الإيواء والنصرة ، وإليكم كانت الهجرة ، ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم ، وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم ، والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم ، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم ، ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم ، فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الأمر ، وإن أبي القوم ، فمنا أمير ومنهم أمير . فقام عمر رضي الله عنه ، فقال : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد ، إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا ينبغي أن تولى هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم ، وأولو الأمر منهم ، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة ، والسلطان المبين ، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف ( 4 ) لإثم ، أو متورط في هلكة . فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه ، فقال : يا معشر الأنصار : املكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتم فاجلوهم عن بلادكم ، وتولوا هذا الأمر عليهم ، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم ، فإنه دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا ، أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة ( 5 ) ، والله لا يدر على أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف . قال عمر بن الخطاب : فلما كان الحباب هو الذي يجيبني ، لم يكن لي معه كلام ، لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنهاني عنه ، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدا . ثم قام أبو عبيدة ، فقال : يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر وآوى ، فلا تكونوا أول من يبدل ويغير .

--> ( 1 ) افتات عليه : طغى على حقه واستأثر به . ( 2 ) الفئ : الظل . ( 3 ) أجار فلان على فلان ، أي نقض حكمه وخالفه . ( 4 ) متجانف : مائل ومرتكب للإثم . ( 5 ) نعيدنها جذعة : نعيد الحرب بيننا وبينكم قوية .