ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )
145
الامامة والسياسة
وأمتع به ، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية ، وأهواء منجذمة ( 1 ) نخاف هدها ، وننتظر جدها ، شديد منحدرها ، كثير وعرها ، شامخة مراقيها ، ثابتة مراتبها ، صعبة مراكبها ، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد ، لا يخلد في الدنيا أحد ، ولا يبقى لنا أمد ، وأنت يا أمير المؤمنين مسؤول عن رعيتك ، ومأخوذ بولايتك ، وأنت أنظر ( 2 ) للجماعة وأعلى عينا بحسن الرأي لأهل الطاعة ، وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأيا ، وأجمعها رضا ، فاقطع بيزيد قالة الكلام ، ونخوة المبطل ، وشغب المنافق ، واكبت به الباذخ ( 3 ) المعادي ، فإن ذلك ألم للشمل وأسهل للوعث ( 4 ) ، فاعزم على ذلك ، ولا تترامى بك الظنون . ما تكلم به عبد الله بن مسعدة ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح الله أمير المؤمنين ، وأمتع به . إن الله قد آثرك بخلافته ، واختصك بكرامته ، وجعلك عصمة لأوليائه ، وذا نكاية لأعدائه ، فأصبحت بأنعمه جذلا ، ولما حملك محتملا ، يكشف الله تعالى بك العمى ، ويهدي بك العدى ، ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة ، وأحقهم بالخلافة بعدك ، قد ساس الأمور ، وأحكمته الدهور ، ليس بالصغير الفهيه ( 5 ) ، ولا بالكبير السفيه ، قد احتجن ( 6 ) المكارم ، وارتجى لحمل العظائم ، وأشد الناس في العدو نكاية ، وأحسنهم صنعا في الولاية ، وأنت أغنى بأمرك ، وأحفظ لوصيتك ، وأحرز لنفسك . أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد ، والنعمة في غير تغيير . ما قال الأحنف بن قيس قال : فقال معاوية : أو كلكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا ؟ فقالوا : كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا . قال : فأين الأحنف ؟ فأجابه ، قال : ألا تتكلم ؟ فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه ،
--> ( 1 ) منجذمة : أي منقطعة ، كل هوى له وجهة غير وجهة الآخر فلا تجتمع الأهواء على رأي واحد . ( 2 ) أنظر : أحسن نظرا في أمر الجماعة واختبار من يتولى أمرها من بعدك . ( 3 ) الباذخ : المستعلي المتكبر . ( 4 ) الوعث : الطريق العسر ، والمراد أسهل للسير في الطريق الصعب . ( 5 ) الفهية : العي الذي لا يحسن الكلام . ( 6 ) احتجن المكارم : جمعها وحواها .