ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

94

الامامة والسياسة

يرجو في ذلك من الثواب . قالت : ثم إن أهل الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه قتالا شديدا ، ففتح الله عليه . قالت : فلما رأى ذلك أهل الحصن الآخر ، نزلوا على حكمه ، ففتحهما موسى في يوم واحد ، فلما كان في اليوم الثاني ، أتى حصنا ثالثا ، فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا ، حتى جال المسلمون جولة واحدة . قال : فأمر موسى بسرادقه فكشط ( 1 ) عن نسائه وبناته حتى برزن . قال : فلقد كسرت بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى ، وحمي المسلمون ، واحتدم القتال ، ثم إن الله فتح عليه ونصره ، وجعل العاقبة له . وقال عبد الرحمن بن سلام : كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها . فلم ترد له راية قط ، ولا هزم له جمع قط ، حتى مات . وقال ابن صخر : لما قدم موسى الأندلس قال أسقف من أساقفتها : إنا لنجدك في كتب الحدثان ، عن دانيال . بصفتك صيادا تصيد بشبكتين ، رجل لك في البر ، ورجل في البحر ، تضرب بهما هاهنا وهاهنا فتصيد . قال : فسر بذلك موسى وأعجبه . وقال عبد الحميد بن حميد ، عن أبيه : إن موسى لما وغل وجاوز سرقسطة ، اشتد ذلك على الناس وقالوا : أين تذهب بنا ؟ حسبنا ما في أيدينا ، وكان موسى قال حين دخل أفريقية ، وذكر عقبة بن نافع : لقد كان غرر بنفسه حين وغل في بلاد العدو ، والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه ، أما كان معه رجل رشيد ؟ فسمعه حبيش الشيباني ( 2 ) قال : فلما بلغ موسى ذلك المبلغ ، قام حبيش فأخذ بعنانه . ثم قال أيها الأمير ! إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول : لقد غرر بنفسه وبمن معه ، أما كان معه رجل رشيد ؟ وأنا رشيدك اليوم ، أين تذهب ؟ تريد أن تخرج من الدنيا ، أو تلتمس أكثر وأعظم مما آتاك الله عز وجل ، وأعرض مما فتح الله عليك ، ودوخ لك ، إني سمعت من الناس ما لم تسمع ، وقد ملأوا أيديهم ، وأحبوا الدعة . قال : ، فضحك موسى ثم قال : أرشدك الله ، وكثر في المسلمين مثلك . ثم انصرف قافلا إلى الأندلس فقال موسى يومئذ : أما

--> ( 1 ) السرادق : القباء . وكشط : أزاح . ( 2 ) كذا بالأصل ، ولعله حنش الصنعاني من صنعاء الشام ، أحد التابعين الأجلاء ، وكان مع موسى بن نصير في غزوته للأندلس ( نفح الطيب 1 / 278 ) .