ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

61

الامامة والسياسة

الرسول ، فلما نظر إليه الرسول قال : إنما أمرت بأخذك ، وأتيت لأذهب بك إليه ، وأعوذ بالله من ذلك ، فالحق بأي بلد شئت ، وأنا معك . قال له سعيد بن جبير : ألك هاهنا أهل وولد ؟ قال : نعم . قال : إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني . قال الرسول : فإني أكلهم إلى الله . فقال سعيد : لا يكون هذا . فأتى به إلى خالد فشده وثاقا ، وبعث به إلى الحجاج . فقال له رجل من أهل الشام : إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك ، فما عرض له ، فلو جعلته فيما بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله . فقال خالد ، وقد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها : والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا ينقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته . فلما قدم سعيد على الحجاج قال له : ما اسمك ؟ قال : سعيد . قال : ابن من ؟ قال : ابن جبير . قال : بل أنت شقي بن كسير ؟ قال سعيد : أمي ( 1 ) أعلم باسمي واسم أبي . قال الحجاج : شقيت وشقيت أمك . قال سعيد : الغيب يعلمه غيرك . قال الحجاج : لأوردنك حياض الموت ، قال سعيد : أصابت إذا أمي اسمي . فقال الحجاج : لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى . قال سعيد : لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها . قال الحجاج : فما قولك في محمد ؟ قال سعيد : نبي الرحمة ، ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة . فقال الحجاج : فما قولك في الخلفاء ؟ قال سعيد : لست عليهم بوكيل ، كل امرئ بما كسب رهين . قال الحجاج : أشتمهم أم أمدحهم ؟ قال سعيد : لا أقول ما لا أعلم ، إنما استحفظت أمر نفسي . وقال الحجاج : أيهم أعجب إليك ؟ قال : حالاتهم يفضل بعضهم على بعض . قال الحجاج : صف لي قولك في علي . أفي الجنة هو ، أم في النار ؟ قال سعيد : لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت ، ولو رأيت من في النار علمت ، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب ؟ قال الحجاج : فأي رجل أنا يوم القيامة ؟ فقال سعيد : أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب . قال الحجاج : أبيت أن تصدقني ؟ قال سعيد ( 2 ) : بل لم أرد أن أكذبك . فقال الحجاج فدع عنك هذا كله ، أخبرني ما لك لم تضحك قط ؟ قال : لم أر شيئا يضحكني ، وكيف يضحك مخلوق من طين ، والطين تأكله النار ، ومنقلبه إلى الجزاء ، واليوم

--> ( 1 ) في مروج الذهب : أبي كان أعلم باسمي منك . قال : شقيت وشقي أبوك . ( 2 ) في حلية الأولياء 4 / 291 : لا أحب أن أكذب ( أنظر فتوح ابن الأعثم 7 / 162 ) .