ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

114

الامامة والسياسة

والناس . فلما دنا موسى وسلم قال له سليمان : أرأيت الهلال بعد يا موسى ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك ، وأشار بأصبعه إلى ناحية ، وهو مقبل على سليمان بوجهه ، فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى ، فأبصروا الهلال فلما جلس موسى قال : إني والله لست بأحدكم بصرا ، ولكني أعلمكم بمطالعه ومناسقه ( 1 ) . وقال : فخرج فلقيه يزيد بن المهلب ، فقال له : يا أبا عبد الرحمن ، بينا أنت أدهى الناس وأعلمهم ، أقبلت تسوق نفسك حتى تضعها في يد سليمان . فقال له موسى : أما علمت يا أبا خالد ، أن الهدهد يهتدي إلى الماء ويعرفه من الأرض الفضاء ومن الحزونة والسهل ، ويبصر القريب منه والبعيد ، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة وما أشبهها ، فلا يبصر ذلك حتى يقع فيه فيؤخذ ؟ وذلك أنه لا حذر ينجي من قدر ، ولا رأي ولا بصر ، وكذلك كنت وسليمان بن عبد الملك . قال : وذكروا أن سليمان خرج يوما إلى بعض أمواله متنزها فخرج معه موسى بن نصير ، فعرضت عليهم غنم حلب ، نحو من ألف رأس ، فأعجب سليمان ما رأى منها ، والتفت إلى موسى ، فقال له : هل رأيت مثلها قط ؟ قال : نعم ، إن لأدنى موالي لأصنافا كثيرة ، فالتفت إليه سليمان ، وقال له : أدنى مواليك ؟ قال : نعم فرددها سليمان كالمغضب عليه . قال موسى : نعم يا أمير المؤمنين ، وما هذا فيما أفاء الله عز وجل على يدي ، لقد كان الألف تباع بعشرة دراهم أو دونها ، ولقد كانت في بعض المواطن وما لها قيمة ، ولا يلتفت إليها أحد يا أمير المؤمنين ، ولغير ذلك مما أفاء الله عليهم ، ولقد رأيت العلج العتل ( 2 ) ، والوصيف الفاره ( 3 ) ، والجارية الحسناء ، وإن أكثر ما تبلغ خمسين درهما ، لكثرة ذلك من صنوفه كلها . ولقد رأيت الذود ( 4 ) من الإبل ، لا تبلغ قيمته عشرين درهما ، أكثر يا أمير المؤمنين ما أعلمتك فيما تسمع ؟ قال سليمان : لا ، وحمد الله . قال : وذكروا أن موسى دخل على سليمان يوما وعنده الناس ، فلما رآه سليمان قال : ذهب سلطان الشيخ ، وأبصره موسى حين تكلم ، فلم يفهم ما قال

--> ( 1 ) أي طرقه ومساراته . ( 2 ) العتل : الجافي الغليظ . ( 3 ) الفاره : الماهر القوي . ( 4 ) الذود من الإبل : من الثلاثة إلى العشرة ، وقيل إلى الثلاثين من الجمال .