ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )
39
الامامة والسياسة
لولايتك ، ومن شرك مشفقون ( 1 ) ، فأرسلوني أنظر : أحلو أنت أم مر ؟ قال : فرفع عمر يديه إلى السماء وقال : اللهم حببني إلى الناس ، وحببهم إلي . قال : فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر ، فوالله ما فارق الدنيا حتى أحب ولايته من كرهها . لقد كانت إمارته فتحا ، وإسلامه عزا ونصرا ، اتبع في عمله سنة صاحبيه وآثارهما ، كما يتبع الفصيل أثر أمه ، ثم اختار الله له ما عنده . قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عمرو بن ميمون : شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن ، فما منعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته ، فكنت في الصف الذي يليه ، وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه ، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة ، فذلك الذي منعني من التقدم . قال : فأقبل لصلاة الصبح ، وكان يغلس بها ( 2 ) ، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، فطعنه ثلاث طعنات ( 3 ) ، فسمعت عمر وهو يقول : دونكم الكلب ، فإنه قد قتلني ، وماج الناس ، فجرح ثلاثة عشر رجلا ( 4 ) ، وصاح بعضهم ببعض : دونكم الكلب ، فشد عليه رجلا من خلفه ، فاحتضنه ، وماج الناس ، فقال قائل : الصلاة عباد الله ، طلعت الشمس . فدفعت عبد الرحمن بن عوف ، فصلى بأقصر سورتين في القرآن ، واحتمل عمر ، ومات من الذين جرحوا ستة أو سبعة ( 5 ) ، وجرى الناس إلى عمر ، فقال : يا بن عباس ، اخرج فناد في الناس أعن ملأ ورضى منهم كان هذا ؟ فخرج فنادى ، فقالوا : معاذ الله ، ما علمنا ولا اطلعنا ، قال : فأتاه الطبيب فقال : أي الشراب أحب إليك ؟ قال : النبيذ فسقوه نبيذا ، فخرج من بعض طعناته . فقال الناس ( 6 ) : صديد ، اسقوه لبنا ، فخرج اللبن ، فقال الطبيب : لا أرى أن
--> ( 1 ) أي خائفون ومترقبون . ( 2 ) الغلس هو آخر ظلمة الليل . كان عمر يصلي صلاة الصبح مبكرا . ( 3 ) ابن سعد 3 / 345 وفي ابن الأثير 3 / 50 ست طعنات . وكانت إحدى الطعنات تحت السرة وهي التي قتلته . ( 4 ) في ابن سعد : طعن أحد عشر رجلا سوى عمر ثم انتحر بخنجره ، فمات منهم ستة وأفرق ستة ، وفي رواية له كالأصل . فأفلت أربعة ومات تسعة أو أفلت تسعة ومات أربعة ، ولما أدرك أنه مأخوذ - بعد أن ألقى عليه اليربوعي - نحر نفسه بخنجره ( فتح الباري 7 / 51 ) . ( 5 ) أنظر الحاشية السابقة . ( 6 ) في ابن سعد : الذي أشار بسقيه اللبن طبيب من الأنصار من بني معاوية والمراد بالنبيذ المذكور : تمرات نبذت في ماء أي نفقت فيه ، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء .