ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

243

الامامة والسياسة

الأعرج : كان الناس لا يلبسون المصبوغ ( 1 ) من الثياب قبل الحرة ، فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا : لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدأون . وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم ، حتى كانت الحرة ، فاجترأ الناس عليهم فهانوا . قال الزهري : بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والأنصار ، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة ، وسائر الناس عشرة آلاف ( 2 ) . من أخلاط الناس والموالي والعبيد ، قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة ، سنة ثلاث وستين ، انتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم ، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق ، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا ، ولم يبق بعد ذلك بدري . وقالوا : قال عيسى بن طلحة : قلت لعبد الله بن مطيع : كيف نجوت يوم الحرة ؟ قال : رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام ، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولى الناس ، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر ( 3 ) . وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي ولا ينفع وليي ، فتواريت ، ثم لحقت با بن الزبير ، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر ، ولم يكن معه إلا نفر يسير ، قوم من قريش من الخوارج ، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل ، كلهم ذوو حفاظ ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل . تم الجزء الأول من كتاب الإمامة والسياسة ويليه الجزء الثاني

--> ( 1 ) يريد الثياب المصبوغة بالسواد . ذلك يرمز إلى الحداد على قتلى أهل الحرة . ( 2 ) تقدمت الإشارة إلى عدد من قتل ، راجع ما لاحظناه قريبا . ( 3 ) وكان الحارث بن هشام قد فر يوم بدر من القتال ، وقد هجاه حسان بن ثابت على فراره ومما قاله : ترك الأحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام ملأت به الفرجين فارمدت به * وثوى أحبته بشر مقام وبنو أبيه ورهطه في معرك * نصر الإله به ذوي الإسلام فقال الحارث بن هشام يجيب حسان ويعتذر من فراره يوم بدر : الله أعلم ما تركت قتالهم * حتى حبوا مهري بأشقر مزبد وعرفت أني إن أقاتل واحدا * أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد