ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )
24
الامامة والسياسة
هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة ، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأن يكون بعضنا يتبع بعضا ، فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ، ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي . فقام أبو بكر ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال : إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى خلقه ، وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى ، يزعمون أنها لهم شافعة ، وعليهم بالغة نافعة ، وإنما كانت حجارة منحوتة ، وخشبا منجورة ، فاقرأوا إن شئتم ( إنكم وما تعبدون من دون الله ) [ يونس : 18 ] ، ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) ، وقالوا : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * [ الزمر : 3 ] فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين رضي الله عنهم بتصديقه ، والإيمان به ، والمواساة له والصبر معه على الشدة من قومهم ، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف عليهم ( 1 ) ، زار لهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وإزراء ( 2 ) الناس بهم واجتماع قومهم عليهم ، فهم أول من عبد الله في الأرض ، وأول من آمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام ، رضيكم الله تعالى أنصارا لدينه ولرسوله ، وجعل إليكم مهاجرته فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء ، وأنتم الوزراء ، لانفتات دونكم بمشورة ، ولا تنقضي ( 3 ) دونكم الأمور . فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه ، فقال : يا معشر الأنصار : املكوا عليكم أيديكم ، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم ، ولن يجير مجير ( 4 ) على خلافكم ، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والنجدة ( 5 ) ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون ، فلا تختلفوا ، فيفسد
--> ( 1 ) في الطبري : لهم مخالف . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : وشنف الناس لهم . وكلاهما بمعنى : البغض والتنكر والاحتقار . ( 3 ) في الطبري : ولا نقضي . وعند ابن الأثير : ولا تقضى . ( 4 ) في الطبري : ولن يجترئ مجترئ . ( 5 ) في الطبري : وأولو العدد والمنعة والتجربة ، ذوو البأس والنجدة .