السرخسي
504
شرح السير الكبير
فان قيل : إذا كعموه حتى لا يسلم ينبغي أن يكون ذلك كفرا منهم لأنهم رضوا بكفره ، ومن رضى بكفر غيره يكفر . قلنا : لفعلهم ذلك تأويلان : أحدهما أنهم علموا أنه لا يسلم حقيقة ، ولكن يظهر الاسلام تقية لينجو من القتل . فلا يكون ذلك رضا منهم بكفره . والثاني أن مقصودهم من ذلك الانتقام منه والتشديد عليه ، لكثرة ما آذاهم لا على وجه الرضى بكفره . ومن تأمل قوله تعالى ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) ( 1 ) يتضح له هذا المعنى . وأيد هذا ما روى أن عثمان رضي الله عنه جاء بعبد الله بن سعيد ( 2 ) ( ص 169 ) بن أبي سرح يوم فتح مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بايع عبد الله ، فأعرض عنه . حتى جاء إلى كل جانب هكذا ، فقال : بايعناه فلينصرف . فلما انصرف قال لأصحابه : أما كان فيكم من يقوم إليه فيضرب عنقه قبل أن أبايعه ؟ فقالوا : أهلا أومأت إلينا بعينك يا رسول الله ؟ فقال : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين . وأحد لا يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرضى بكفره ، ولكن علم أنه كان يظهر في ذلك تقية . فلهذا أعرض عنه وقال ما قال . 770 - ولو أن الأسير قال للمسلم حين أراد قتله : الأمان الأمان . فقال له المسلم : الأمان الأمان . وإنما أراد رد كلامه على وجه التغليظ عليه : ولكنه لم يرد على هذا . فهذا في حقه حلال الدم لا بأس بأن يقتله . ولكن من سمع منه هذه المقالة يمنعه من قتله ، ولا يصدقه فيما ادعى من مراده .
--> ( 1 ) سورة يونس ، 10 ، الآية 88 . ( 2 ) " بن سعيد " لا توجد في ه ، ب ، ق .