السرخسي

7

شرح السير الكبير

فتبين بهذا أن من كان عنده حديث منهم فتارة كان يرويه وتارة كان يفتى به من غير أن يروى ، فكل ذلك جائز . والمرابطة المذكورة في الحديث عبارة عن المقام في ثغر العدو لاعزاز ( 1 ) الدين ، ودفع شر المشركين عن المسلمين ( 14 آ ) . وأصل الكلمة من ربط الخيل . قال الله تعالى { ومن رباط الخيل } ( 2 ) فالمسلم يربط خيله حيث يسكن من الثغر ليرهب العدو به ، وكذلك يفعل ( 3 ) عدوه . ولهذا سمى مرابطة ، لان ما كان على ميزان المفاعلة يجرى بين اثنين غالبا ، ومنه سمى الرباط رباطا للموضع المبنى في المفازة ( 4 ) ليسكنه الناس ليأمن المارة بهم من شر اللصوص . وجعل رباط يوم في هذا الحديث كصيام شهر وقيامه . 3 - وقد روى بعد هذا أكثر من هذا القدر فإنه روى : عن مكحول أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني وجدت غارا في الجبل فأعجبني أن أتعبد فيه وأصلي حتى يأتني قدري . فقال عليه السلام : لمقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاته ستين سنة في أهله . وهذا التفاوت إما بحسب التفاوت في الامن والخوف من العدو ، فكلما كان الخوف أكثر كان الثواب في المقام أكثر . أو بحسب تفاوت منفعة المسلم ( 5 ) بمقامه ، فان أصل هذا الثواب لاعزاز الدين وتحصيل المنفعة للمسلمين بعمله . قال عليه السلام : " خير الناس من ينفع الناس " .

--> ( 1 ) ه‍ " بلا اعزاز " . ( 2 ) سورة الأنفال ، 8 ، الآية 60 . ( 3 ) ه‍ ، ط " يفعله " . ( 4 ) ه‍ ، ط " المفاوز " . ( 5 ) ط " المسلمين " .