السرخسي

27

شرح السير الكبير

فيه دليل أن الوصية بهذه الصفة صحيحة ( 1 ) بأن تقول للوصي : ضع ثلث مالي حيث أحببت أو حيث أحبه فلان . وفيه دليل أن الصرف إلى فقراء المجاهدين أولى من الصرف إلى غيرهم . لان فيه معنى الصدقة والجهاد بالمال ، وإيصال منفعة ذلك إلى جميع المسلمين بدفع أدى المشركين عنهم بقوته . ثم بين أن مع هذا كله لا ينال هذا الموصى [ من الثواب ] ( 2 ) ما كان يناله إن لو فعل بنفسه في حياته . لان في حياته كان ينفق المال في سبيل الله تعالى مع حاجته إليه ، وقد زالت حاجته بموته ( 3 ) . فهو كالذي يهدى إذا شبع . وفى نظيره قال عليه السلام : " أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح ، تأمل ( 4 ) العيش وتخشى الفقر ، لا حتى إذا بلغت هذه - وأشار إلى التراقي - قلت : لفلان كذا ولفلان كذا . لقد كان ذلك وإن لم تقل " . 19 - وذكر بعد هذا عن مكحول أنه بلغه أن من لم يجاهد أو لم يعن مجاهدا أو لم يخلفه في أهله بخير ، أصابته قارعة قبل يوم القيامة . والقارعة هي الداهية التي لا يحتملها المرء ولا يتمكن من ردها . قال الله تعالى { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } ( 5 ) الآية . وفى هذا بيان فضيلة الجهاد ، ونيل الثواب بالإغاثة للمجاهد ، وعظم وزر من خان المجاهد في أهله . وكأن هذه الخصال الثلاث يعنى ترك الجهاد ، وترك إعانة المجاهدين ، والخيانة للمجاهد في أهله ، لا تجتمع إلا في منافق . والوعيد المذكور لائق بحق المنافقين .

--> ( 1 ) ط ، ه‍ " فيه دليل صحة الوصية بهذه الصفة " . ( 2 ) الزيادة من ط ، ه‍ . ( 3 ) ط ، ه‍ " لموته " . ( 4 ) ط " مائل " وهو خطأ . ( 5 ) سورة الرعد ، 13 ، الآية 31 .