رضي الدين الأستراباذي

196

شرح الرضي على الكافية

ولا يجيئ بعد ( إذ ) المفاجأة إلا الفعل الماضي ، وبعد ( إذا ) المفاجأة الا الاسمية ، وكان الأصمعي 1 ، لا يستفصح إلا تركهما في جواب بينا وبينما ، لكثرة مجئ جوابهما بدونهما ، والكثرة لا تدل على أن المكثور غير فصيح ، بل تدل على أن الأكثر أفصح ، ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، وهو من الفصاحة بحيث هو : ( بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ) ، 2 ولما قصد إلى إضافة ( بين ) اللازم إضافته إلى مفرد ، إلى جملة ، والإضافة إلى الجملة كلا إضافة ، على ما تقدم ، زادوا عليه ( ما ) الكافة ، لأنها التي تكف المقتضى عن الاقتضاء ، أو أشبعوا الفتحة فتولدت ألف ، ليكون الألف دليل عدم اقتضائه للمضاف إليه ، لأنه كأنه وقف عليه ، والألف قد يؤتى به للوقف ، كما في : أنا ، والظنونا ، 3 وأصل ( بين ) أن يكون مصدرا بمعنى الفراق ، فتقدير : جلست بينكما ، أي مكان فراقكما ، وتقدير : فعلت ، بين خروجك ودخولك : أي زمان فراق خروجك ودخولك ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فبين ، كما تبين ، مستعمل في الزمان ، والمكان ، وأما إذا كف بما ، أو الألف وأضيف إلى الجمل ، فلا يكون إلا للزمان ، لما تقدم من أنه لا يضاف من المكان إلى الجمل إلا ( حيث ) ، و ( بين ) في الحقيقة ، مضاف إلى زمان مضاف إلى الجملة ، فحذف الزمان المضاف ، والتقدير : بين أوقات زيد قائم ، أي بين أوقات قيام زيد ، فحذف الوقت لقيام القرينة عليه ، وهي غلبة إضافة الأزمنة إلى الجمل ، دون الأمكنة وغيرها ، فيتبادر الفهم في كل مضاف إليها ، إلى الزمان ، فصار ( بين ) المضاف إلى الزمان زمانا ، لأن ( بين ) ان أضيف

--> ( 1 ) عبد الملك بن قريب الأصمعي ، تقدم ذكره في هذا الجزء ، ( 2 ) جاء هذا الكلام في إحدى الخطب التي تضمنها نهج البلاغة المنسوب لسيدنا علي رضي الله عنه ، ص 34 طبع دار الشعب بالقاهرة ، ( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى : ( وتظنون بالله الظنونا ) الآية 10 سورة الأحزاب ،