الشيخ محمدجواد البلاغي النجفي

346

آلاء الرحمن في تفسير القرآن

متضمنة للبشرى بالعلو المطلق حتى في المستقبل « ثالثها » ان يراد أنتم الأعلون مطلقا بحسب ما ذكر في الوجه الأول وبحسب علمكم بما وعد اللَّه رسوله وبشراه لكم بعلو أمر الدين وبوار المشركين فيصح عليه كون الجملة حالية . ويكون قوله تعالى * ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * قيدا للتصديق بالبشرى أو للبشرى وعلى الوجهين الأولين تكون مبينة ان انتهاءهم عن الوهن والحزن تابع لإيمانهم باللَّه . ويجوز أيضا على الوجه الأول أن تكون قيدا لإذعانهم وايمانهم بأن ما ذكر فيه من علوهم في أول الحرب وخاتمتها كان من نصر اللَّه لهم . والأظهر هو الوجه الثالث [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 140 ] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه وتِلْكَ الأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ واللَّه لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) 136 * ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ) * لعل التعبير بالمس لتهوين ما أصابهم ببيان انه مس لا نكاية والقرح بفتح القاف فسره في التبيان ومجمع البيان والكشاف بالجرح وعن مجاهد جراح وقتل . ويجوز ان يكون واحد القروح كناية عما أصابهم وهو الأظهر * ( فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ ) * المشركين * ( قَرْحٌ مِثْلُه ) * قيل إن ذلك إشارة إلى ما أصاب المشركين يوم بدر وهو المروي عن الحسن البصري . ولكن الأظهر والمناسب للمقام وأسلوبه وتسليته وتشجيعه ان يراد ما أصاب المشركين يوم أحد فقد قتل منهم يومئذ خلق كثير من شجعانهم وأهل نجدتهم فقد عدّ في التاريخ عشرة وعشرة وفلانا وفلانا بحيث لا يقل عن شهداء المسلمين بكثير . وأما قوله تعالى في الآية التاسعة والخمسين بعد المائة « قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها » فيمكن ان يراد به القتلى والأسرى من المشركين في يوم بدر ويمكن ان يراد به قتلى المشركين في بدر واحد ولكن هون على المشركين يوم أحد انهم أدركوا فيه شيئا من ثار بدر ولم يصدموا بصدمته . وشدد على المسلمين ما لقوه انه على خلاف ما يرجونه من نصر اللَّه لهم ولدين الحق وانهم أذنبوا بفرارهم فنالهم بعض الخذلان ولذلك صارت حربهم بانثيالهم على أطماع الغنائم وفرارهم حربا عادية لم تستمر معها روح النصر الأول فجرت على سنة الحروب المبتنية غلبتها على الاقدام والفرار والكثرة والقلة وما يعرض من الأحوال الحربية والتقدير الإلهي المنوط بالأسباب العادية في عالم التكوين من مداولة الأيام بحسب التقدير لأسبابها . وعلى هذا الوجه قال اللَّه جل اسمه * ( وتِلْكَ الأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) * بمقتضى التقدير على الأسباب . والأيام عطف بيان « لتلك » اي أيام الحرب أو أيام الدنيا .