النووي

196

شرح صحيح مسلم

الاستقاءة لا يمنع كونها مستحبة فان ادعى مدع منع الاستحباب فهو مجازف لا يلتفت إليه فمن أين له الاجماع على منع الاستحباب وكيف تترك هذه السنة الصحيحة الصريحة بالتوهمات والدعاوى والترهات ثم اعلم أنه تستحب الاستقاءة لمن شرب قائما ناسيا أو متعمدا وذكر الناسي في الحديث ليس المراد به أن القاصد يخالفه بل للتنبيه به على غيره بطريق الأولى لأنه إذا أمر به الناسي وهو غير مخاطب فالعامد المخاطب المكلف أولى وهذا واضح لاشك فيه لا سيما على مذهب الشافعي والجمهور في أن القاتل عمدا تلزمه الكفارة وأن قوله تعالى " قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة " لا يمنع وجوبها على العامد بل للتنبيه والله أعلم وأما ما يتعلق بأسانيد الباب وألفاظه فقال مسلم حدثنا هداب بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وحدثنا محمد بن مثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس هذان الاسنادان بصريون كلهم وقد سبق مرات أن هدابا يقال فيه هدبة وأن أحدهما اسم والآخر لقب واختلف فيهما وسعيد هذا هو ابن أبي عروبة وقوله ( قال قتادة قلنا يعنى لأنس فالأكل قال أشر وأخبث ) هكذا وقع في الأصول أشر بالألف والمعروف في العربية شر بغير ألف وكذلك خير قال الله تعالى وقال الجنة يومئذ خير مستقرا تعالى " من هو شر مكانا " ولكن هذه اللفظة وقعت هنا على الشك فإنه قال أشر وأخبث فشك قتادة في أن أنسا قال أشر أو قال أخبث فلا يثبت عن أنس أشر بهذه الرواية فان جاءت هذه اللفظة بلا شك وثبتت عن أنس فهو عربي فصيح فهي لغة وان كانت قليلة الاستعمال ولهذا نظائر مما لا يكون معروفا عند النحويين وجاريا على قواعدهم وقد صحت به الأحاديث فلا ينبغي رده إذا ثبت بل يقال هذه لغة قليلة الاستعمال ونحو هذا من العبارات وسببه أن النحويين لم يحيطوا إحاطة قطعية بجميع كلام العرب ولهذا يمنع بعضهم ما ينقله غيره