النووي
148
شرح صحيح مسلم
بدفع ديته من عنده وقوله فوداه من عنده يحتمل أن يكون من خالص ماله في بعض الأحوال صادف ذلك عنده ويحتمل أنه من مال بيت المال ومصالح المسلمين وأما قوله في الرواية الأخيرة من إبل الصدقة فقد قال بعض العلماء أنها غلط من الرواة لأن الصدقة المفروضة لا تصرف هذا المصرف بل هي لأصناف سماهم الله تعالى وقال الإمام أبو إسحاق المروزي من أصحابنا يجوز صرفها من إبل الزكاة لهذا الحديث فأخذ بظاهره وقال جمهور أصحابنا وغيرهم معناه اشتراه من أهل الصدقات بعد أن ملكوها ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة في مصالح العامة وتأول هذا الحديث عليه وتأوله بعضهم على أن أولياء القتيل كانوا محتاجين ممن تباح لهم الزكاة وهذا تأويل باطل لأن هذا قدر كثير لا يدفع إلى الواحد الحامل من الزكاة بخلاف أشراف القبائل ولأنه سماه دية وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة من الزكاة استئلافا لليهود لعلهم يسلمون وهذا ضعيف لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر فالمختار ما حكيناه عن الجمهور أنه اشتراها من إبل الصدقة وفي هذا الحديث أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة والاهتمام باصلاح ذات البين وفيه اثبات القسامة وفيه الابتداء بيمين المدعي في القسامة وفيه رد اليمين على المدعى عليه إذا نكل المدعى في القسامة وفيه جواز الحكم على الغائب وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم وفيه جواز اليمين بالظن وإن لم يتيقن وفيه أن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( يقسم خمسون منكم على رجل منهم ) هذا مما يجب تأويله لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة وتأويله عند أصحابنا أن معناه يؤخذ منكم خمسون يمينا والحالف هم الورثة فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة يحلف كل الورثة ذكورا كانوا أو إناثا سواء كان القتل عمدا أو خطأ هذا مذهب الشافعي وبه قال أبو ثور وابن المنذر ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأ وأما في العمد فقال يحلف الأقارب خمسين يمينا ولا تحلف النساء ولا الصبيان ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر واحتج الشافعي بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) تحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص ومعلوم أن غير الوارث