النووي

136

شرح صحيح مسلم

على افراده كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم واختلف فعل علي رضي الله عنه ولو لم يكن الافراد أفضل وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفردا لم يواظبوا عليه مع أنهم الأئمة الأعلام وقادة الاسلام ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الخلاف عن علي رضي الله عنه وغيره فإنما فعلوه لبيان الجواز وقد ثبت في الصحيح ما يوضح ذلك ومنها أن الافراد لا يجب فيه دم بالاجماع وذلك لكماله ويجب الدم في التمتع والقران وهو دم جبران لفوات الميقات وغيره فكان مالا يحتاج إلى جبر أفضل ومنها أن الأمة أجمعت على جواز الافراد من غير كراهة وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتع وبعضهم التمتع والقران فكان الافراد أفضل والله أعلم قيل كيف وقع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في صفة حجته صلى الله عليه وسلم وهي حجة واحدة كل واحد منهم يخبر عن مشاهدة في قضية واحدة قال القاضي عياض قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجيد منصف ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقتصر مختصر قال وأوسعهم في ذلك نفسا أبو جعفر الطحاوي الحنفي فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة وتكلم معه في ذلك أبو جعفر الطبري ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة ثم المهلب والقاضي أبو عبد الله بن المرابط والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم قال القاضي عياض وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها ولو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزي فأضيف الجميع إليه وأخبر كل واحد بما أمره به واباحه له ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أما لأمره به واما لتأويله عليه وأما احرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذ بالأفضل فاحرم مفردا للحج وبه تظاهرت الروايات الصحيحة وأما الروايات بأنه كان متمتعا فمعناها أمر به وأما الروايات بأنه كان قارنا فاخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء احرامه بل أخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية الا من كان معه هدي وكان هو صلى الله عليه وسلم ومن معه هدى في آخر احرامهم قارنين بمعنى أنهم أدخلوا العمرة على الحج وفعل ذلك مواساة لأصحابه وتأنيسا لهم في فعلها في أشهر الحج لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج ولم يمكنه