السيد علي الحسيني الميلاني
329
شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة
وقال العيّاشي في تفسيره : إنّها آخر ما نزل من القرآن . وحينئذ نقول : كما جعل الأوّلون آية التطهير ضمن آيات زوجات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، واتّخذ أتباعهم ذلك أساساً للقول بنزولها في الزوجات ، كذلك الحال في آية التبليغ ، فقد وضعت في سياق آيات الكلام مع اليهود والنصارى ، ثمّ جاء اللاّحقون واستندوا إلى سياق الآية فراراً من الإذعان للحقيقة : قال الرازي : « إعلم أنّ هذه الروايات وإن كثرت ، إلاّ أنّ الأَولى حمله على أنّه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأنّ ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير ، لمّا كان كلاماً مع اليهود والنصارى ، امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبيّة عمّا قبلها وما بعدها » ( 1 ) . وكأنّ الرازي قد غفل عن أنّ الآية في سورة المائدة ، وهي إنّما نزلت في أُخريات حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، حين لم يكن يهاب اليهود ولا النصارى ولا قريشاً ، وأنّ السياق إنّما يكون قرينةً إذا لم يكن في مقابله نصّ معتبر ، وقد صرّح الفخر الرازي نفسه بأنّ نزول الآية في فصل أمير المؤمنين عليه السلام هو قول ابن عبّاس والبَراء بن عازب والإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام ، في حين أنّه لم يعضّد القول الذي حمل الآية عليه - ولا غيره من الأقوال التي ذكرها - بقول أيّ أحد من الصحابة . وأمّا الأحاديث التي يروونها في المقام في مقابلة حديث نزول الآية المباركة في الإمام عليه السلام ، فإن شئت الوقوف عليها فراجع تفسير الطبري والدرّ المنثور للسيوطي - ولعلّ الثاني هو أجمع الكتب لها - وستجدها متناقضة فيما بينها ، فضلا عن كونها مردودة بإجماع الفريقين على نزول سورة المائدة في الأيّام الأخيرة من حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
--> ( 1 ) تفسير الرازي 12 / 50 .