السيد علي الحسيني الميلاني
307
شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة
وأيضاً ، فإن هذه السورة - سورة سأل سائل - مكيّة باتفاق أهل العلم ، نزلت بمكة قبل الهجرة ، فهذه نزلت قبل غدير خُم بعشر سنين أو أكثر من ذلك ، فكيف [ تكون ] نزلت بعده ؟ وأيضاً ، قوله : ( وَإِذْ قالُوا اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ) في سورة الأنفال ، وقد نزلت عقيب بدر بالاتفاق قبل غدير خُم بسنين كثيرة ، وأهل التفسير متفقون على أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل الهجرة ، كأبي جهل وأمثاله ، وأن اللّه ذكّر نبيَّه بما كانوا يقولونه بقوله : ( وَإِذْ قالُوا اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) أي اذكر قولهم ، كقوله : ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ) ، ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ) ، ونحو ذلك : يأمره بأن يذكر كلّ ما تقدّم . فدلّ على أن هذا القول كان قبل نزول هذه السورة . وأيضاً ، فإنهم لما استفتحوا بيَّن اللّه أنه لا ينزّل عليهم العذاب ومحمّد صلّى اللّه عليه وسلم فيهم ، فقال : ( وَإِذْ قالُوا اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذاب أَليم ) ، ثم قال اللّه تعالى : ( وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) واتفق الناس على أن أهل مكة لم تنزل عليهم حجارة من السماء لما قالوا ذلك ، فلو كان هذا آية لكان من جنس آية أصحاب الفيل ، ومثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله . ولو أن الناقل طائفة من أهل العلم ، فلما كان هذا لا يرويه أحد من المصنّفين في العلم ، لا المسند ، ولا الصحيح ، ولا الفضائل ، ولا التفسير ، ولا السير ونحوها ، إلا ما يُروى بمثل هذا الإسناد المنكر ، عُلم أنه كذب وباطل . وأيضاً ، فقد ذكر في هذا الحديث أن هذا القائل أُمر بمباني الإسلام الخمس ، وعلى هذا ، فقد كان مسلماً فإنه قال : فقبلناه منك . ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمين على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يصبه هذا .