مولي محمد صالح المازندراني
46
شرح أصول الكافي
فما سماه أهل العرف غناء حرم طرب أو لم يطرب ، ولا يخلو من قوة لأن الشائع في مثله مما لا نعرف مغزاه لغة ولم يعرف مقصوده شرعاً هو الرجوع إلى العرف . وقال بعض العامّة : قراءة القرآن بالتغني قراءته بالألحان ، وهي قراءته بطريق أهل علم الموسيقى في الألحان ، أي في النغم والأوزان حسبما رتبوه في صنعة الغناء ، وسمع عارفها قارياً يقرأ فاستحسن قراءته ، وقال أنّه يقرأ من نغمة كذا ، وقيل : هي قراءته بالتطريب والترجيع وتحسين الصوت ، ثمّ قال : واختلفوا في قراءته بالألحان ، فقال الشافعي مرّة لا بأس به ، ومرّة مكروه ، وقال بعض أهل مذهبه : مراده أنه إن أفرط في المدّ واشباع الحركة حتّى تولد عن الفتحة ألف ، وعن الضمة واو وعن الكسرة ياء أو ادغم في غير موضع الإدغام كره وإلاّ جاز ، وقال بعض آخر منهم إذا انتهى إلى ذلك فهو حرام يفسق فاعله ويعزر ويأثم المستمع ، وهو مراد الشافعيّ بالكراهة ، وكيف يؤخذ في كلام الله تعالى بأخذ أهل الألحان في النشد والغزل . انتهى . أقول : تفسير الغناء بما مرّ وإن لم يثبت من جهة الشرع لكن الاحتياط والتقوى يوجبان الاحتراز عنه عما دون ذلك ، وإمّا قراءته بالترجيع فظاهر بعض الروايات الآتية تشعر برجحانها ، حيث وقع الأمر به ، وظاهر هذه الرواية يشعر بأنّه أعمّ من الغناء ، فلا يكون راجحاً على الإطلاق ، بل هو راجح في فرد وحرام في فرد آخر ، فلابد للعامل به من التميز بين الفردين ، وهو في غاية الإشكال ، فالأولى بل الواجب على غير المميز تركه . * الأصل : 4 - عدَّةٌ من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن حسن بن شمّون قال : حدَّثني عليُّ بن محمّد النوفليّ ، عن أبي الحسن ( عليه السلام ) قال : ذكرت الصوت عنده فقال : ( إنَّ عليَّ بن الحسين 8 كان يقرأ فربما مرَّ به المارُّ فصعق من حسن صوته ، وإنَّ الإمام لو أظهر من ذلك لما احتمله النّاس من حسنه ) . قلت : ولم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلّي بالنّاس ويرفع صوته بالقرآن ؟ فقال : ( إنَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يحمل النّاس من خلفه ما يطيقون ) . * الشرح : قوله : ( إنّ عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) كان يقرأ القرآن فربما مرَّ به المار فصعق ) أي غشي عليه أو صاح صيحة شديداً ، وسرّ ذلك أن الأصوات الطيبة والأحان الموزونة والنغمات المناسبة لها مدخلاً عظيماً في نشاط النفس وفرح الروح ، ولها تأثيراً عظيماً ، فمنها ما يفرح ، ومنها ما يحزن ، ومنها ما يندم ، ومنها ما يضحك ، ومنها ما يبكي ، ومنها ما يصعق ، ومنها ما يزعج القلب إلى الحقّ ويحركه من بلاد الغربة إلى الوطن الأصليّ ، ويختلف الإنزعاج بالنسبة إلى الأشخاص بحسب قوة