مولي محمد صالح المازندراني
68
شرح أصول الكافي
علم ) بل بنوا ذلك على وهم وتخمين . ( قال الله عزَّ وجلَّ : ( إن هم إلاّ يظنون ) أن ذلك كما يقولون ) وهذا القول في غاية البعد عن منهج الصواب بحيث لا يلتفت إلى قائله بالخطاب والجواب . قوله : ( وقال : ( ان الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) يعني بتوحيد الله تعالى ) سواء اسم بمعنى الاستواء وخبر لأن وما بعده فاعله أي مستو عليهم إنذارهم وعدمه أو خبر لما بعده والجملة خبر « لأنّ » أي إنذارهم وعدمه سيان عليهم وقوله : « بتوحيد الله » متعلق بكفروا أو بلا يؤمنون أو بهما على التنازع ، ولمّا فرق عن الوجه الأول من الجحود أشار إلى الوجه الآخر منه بقوله : ( وأما الوجه الآخر من الجحود على معرفة ) أي على معرفة الحق مثل الرسالة والولاية ونحوهما للعناد أو الحسد أو الاستكبار أو لغيرها . ( وهو أن يجحد الجاحد وهم يعلم أنه حق قد استقر عنده ) استقراراً لا شك فيه ( وقد قال الله عزَّ وجلَّ : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ) أي أنكروا آيات الله وكذبوها والحال أن أنفسم مستيقنة بها عالمة إيّاها وإنّما أنكروها ظلماً لأنفسهم وعلواً أي ترفعا على الرسول والانقياد له والإيمان به . قال بعض الأصحاب : فيه دلالة على أن الإيمان هو التصديق مع العمل دون التصديق وحده وإلاّ لما سلب الإيمان عمن له هذا التصديق بانتفاء الإقرار باللسان وفيه نظر ; لأن الروايات المتكثرة صريحة في أن الإيمان هو التصديق القلبي ( 1 ) وقد ذكرنا بعضها في باب « أن
--> ( 1 ) قوله : « صريحة في أن الإيمان هو التصديق القلبي » أن الإنسان مع كمال عقله وتفطنه مبتلى بوجود الواهمة فربّما يعتقد شيئاً لا يشك في صحته ومع ذلك لا ينقاد لاعتقاده كما مثلوه بأن الميت جماد والجماد لا يخاف عنه فينتج الميت لا يخاف عنه وهذا دليل عقلي صحيح يعتقده الإنسان لكن لا يوافقه وهمه على عدم الخوف كذلك المعاندون من أهل الكتاب على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ( قبل بعث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ) فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وعلة كفرهم على ما بين الله تعالى في كتابه غلبة القوة الواهمة على العاقلة فلم يؤمنوا كما لا يؤمن بالمقدمات التي يعترف بها وبصحتها من يخاف من الميت وكذلك حب الجاه والعادة وكراهة ترك ما تربى عليه يمنع الكافي من الخضوع لعقله ونرى في زماننا أيضاً كثيراً ممن نشأ على رأي وعقيدة واعتاد طريقة وعملا لا يتيسر له ترك ما اعتاده وإن أقيم له ألف دليل وإذا أقام الشيعي على مخالفه ألف قرينة وشاهد على كون علي ( عليه السلام ) غير راض بخلافة من تقدم عليه تمحل في الخروج عن العويصة وتكلف لإبداء احتمالات غير معقولة لتوجيه ما أشكل عليه حتَّى يتخلص من ترك ما نشأ عليه وهذا معنى قوله تعالى ( ظلماً وعلواً ) ; لأن الظلم وهو الانحراف عن الحق وحب الاستعلاء والغلبة وعدم الاعتراف بالجهل والقصور من القوة الواهمة التي تغلب على العقل وكل صاحب رأي وحرفة وفن وعلم يريد أن يثبت رجحانه وعلوه وفضله على مخالفه ، وكل جاهل بشيء يريد أن يبطل ذلك الشيء أو يجعله تافهاً ويظهر أن جهله به لأنه لا يعبأ به ولا فضل في علمه . فالمتفلسف أو المتفقه إن لم يكن عارفاً بالنحو لا يعترف بأن النحوي أفضل منه في شيء بل يقول : إن النحو شيء لا فضل لعالمه ولا نقص على جاهله والمهم هو الذي أنا عالم به ، والمتكلم الجاهل بالفقه لا يرى الفقه إلاَّ وسيلة للتكسب لا علماً يكمل به النفوس ( وكل حزب بما لديهم فرحون ) والفقيه الجاهل بالكلام لا يرى النظر في الكلام إلاَّ تضييعاً للعمر واشتغالا بما لا يعنى إن لم يعتقده ضلالا . وبالجملة هذا الصنف من الكفار جماعة غلبت أوهامهم على قوتهم العاقلة فصار تصديقهم القلبي مقهوراً نظير من يخاف من الميت مع تصديقه بأنه جماد لا يخاف منه فكما أنَّه لا يصدق عليه أنَّه لا يخاف كذلك لا يصدق على من جحد واستيقنتها أنفسهم أنَّهم مؤمنون ; لأن ظلمهم وانحرافهم وعلوهم وعصبيتهم مانعة من خضوع نفوسهم ليقينهم المرتكز في باطنهم ( ش ) .