مولي محمد صالح المازندراني

162

شرح أصول الكافي

باب من يهم بالحسنة أو السيئة * الأصل : 1 - محمَّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمَّد ، عن عليِّ بن حديد ، عن جميل بن درَّاج ، عن زرارة ، عن أحدهما ( عليهما السلام ) قال : « إنَّ الله تبارك وتعالى جعل لآدم في ذرّيّته من همَّ بحسنة ولم يعملها كُتبت له حسنة ومن همَّ بحسنة وعملها كتبت له بها عشراً ومن همَّ بسيّئة ولم يعملها لم تكتب عليه [ سيّئة ] ومن همَّ بها وعملها كتبت عليه سيّئة » . * الشرح : قوله : ( قال إنَّ الله تبارك وتعالى جعل لآدم في ذرّيّته من همَّ بحسنة ولم يعملها كُتبت له حسنة - إلى آخره ) تفصيل المقام أنَّ ما في النفس ثلاثة أقسام : الأول الخطرات التي لا تقصد ولا تقتصر وقد مرَّ فيما قبل أنَّه لا مؤاخذة بها ولا خلاف فيه بين الاُمة ، الثاني : الهم وهو حديث النفس اختياراً ان تفعل ما يوافقها أو يخالفها أو أن لا تفعل فإن كان ذلك حسنة كتبت له حسنة واحدة فإن فعلها كتبت له عشر حسنات وإن كان سيئة لم تكتب عليه وإن فعلها كتبت عليه سيئة واحدة كل ذلك مقتضى أحاديث هذا الباب ولا خلاف فيه أيضاً بين الاُّمه إلاَّ أنَّ بعض العامة صرح بأن هذه الكرامة مختصة بهذه الاُمة وظاهر هذا الحديث أنَّها في الاُمم السابقة أيضاً . الثالث : العزم وهو التصميم وتوطين النفس على الفعل أو الترك وقد اختلفوا فيه فقال كثير من الأصحاب أنَّه لا يؤاخذ به ( 1 ) لظاهر هذه الأحاديث وقال أكثر العامة والمتكلمين والمتحدثين

--> ( 1 ) قوله : « فقال كثير من الأصحاب أنَّه لا يؤاخذ به » هذا من فروع مسئلة التجري والبحث فيه من ثلاثة وجوه : الأول على طريقة الفقهاء والثاني على طريقة المتكلمين والثالث على طريقة أهل الحديث ولكل واحد هؤلاء الأعلام غرض في البحث يخالف غرض الآخرين . أمَّا على طريقة الفقهاء فغرضهم ترتب أحكام الفعل على القصد أو عدم ترتبه ولا ينبغي التأمل في عدم ترتب الأحكام الدنيوية عليه مثلا من قصد الزنا وعزم عليه لا يحد حدِّ الزنا لأن الحد ثابت على من زنى بالفعل لا على من قصده ولا تحرم عليه أُم من قصد الزنا بها أو بنتها ، وكذلك من عزم شرب الخمر لا يضرب الحد وإن شرب ماء ظنه خمراً ، والقاصد لسرقة مال الغير لا يقطع إذا تبين أنَّه أخذ مال نفسه ، ولا تحرم أخت غلام قصد ايقابه عليه أبداً ولا ذات البعل إن قصد الزنا بها وأمَّا الحكم بفسقه وزوال عدالته وعدم قبول شهادته والصلاة خلفه بالعزم الخالي عن الفعل فمبنى على كون العزم معصية بنفسه وبالجملة لا يترتب حكم الزنا على قصد الزنا قطعاً ، نعم إن قلنا بكون العزم معصية بنفسه لا بأنَّه سبب ينجر إلى المعصية فلا ريب في فسق القاصد وقد قال الله تعالى : ( إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) وقال تعالى : ( إنَّ السمع والبصير والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) ولا ريب أن العزم من الأفعال الاختيارية للقلب يصح أن يكون مورداً للتكليف بنفسه وقال تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) . أمَّا على طريقة المتكلمين فاستحقاق العقاب على قصد المعصية ثابت عقلا إذ لا ريب في أنَّه فبيح ولكن لو فرض أنَّ عقاب نفس المعصية شيء غير عقاب العزم عليها ثبت استحقاق عقاب العزم لا عقاب المعصية وهذا خارج عن غرضنا . وأمَّا أهل الحديث فغرضهم النظر في كل حديث ورد في هذا المعنى وابداء وجه الجمع بينها إن أوهم ظاهرها المنافاة ، ووجه التأويل فيها إن خالفت أصلا من أصول المذهب مثلا : « من همّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه » ينافي ظاهر الآيات السابقة فيقال أنَّ الآيات تدل على الاستحقاق والرواية على التفضل بالعفو أو يقال المؤاخذة والسؤال أعم من العقاب ، وأيضاً ورد « أنَّ خلود أهل النار فيها لأن نياتهم كانت على الاستمرار على العصيان ان خلدوا في الدُّنيا » وهذا ينافي نفي العقاب على النية فيقال نفي العقاب تفضل على من ارتدع بنفسه من أمة محمَّد ( صلى الله عليه وآله ) والتفضل لا ينافي استحقاق العقاب لأن التفضل غير واجب ولا ريب أن الجمع والتأويل في أمثال هذه الروايات تبرع غير واجب فإن لم يظهر لنا وجه أو استبعدنا بعض توجيهاتهم لم يضرنا البتة وقد تكلم شيخنا المحقق الأنصاري في التجري في رسائله بما لا مزيد عليه وتكلم فيه اتباعه بعده بما يغنينا عن التكرار والإعادة وفيما ذكرنا كفاية وزيادة ، ويبقى الكلام في تأثير سوء السريرة أعنى وجود الدواعي القوية في النفس إلى المعصية والتحقيق أن العزم غير سوء السريرة لأن الإنسان قد يكون فيه الدواعي إلى الطاعة أيضاً فإن غلب دواعي الخير على داعية الشر لم يعزم على العصيان وكذلك إن تكافئتا وإن غلبت داعية الشر عزم على العصيان قطعاً فليس وجود داعية الشر كافياً في استحقاق العقاب نعم لا يصحل لصاحبها الترقي في معارج الكمال والسعادة والوصول إلى المراتب العالية التي هي فوق مرتبة العدالة إلاَّ بقلع مواد الفساد من قلبه ومحو حب الدُّنيا والشهوات من نفسه حتَّى يخلص إلى مطالعة عالم الغيب ويتلذذ بمشاهدة جمال الله وجلاله . ( ش )