مولي محمد صالح المازندراني

149

شرح أصول الكافي

سهلت أقبلت وانتقلت منها إلى حالة شريفة ووجه ذلك أنَّ سنة الله في عالم الإنسان أن يكون فعله متوسطاً بين عالم الملائكة وعالم الشياطين فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار ولا يفترون ومكن الشياطين في الشر بحيث لا يغفلون فجعل عالم الإنسان متلوناً . وإليه يرشد ما نقل عن أبي ذر قال : « وعلى العاقل أن تكون له ساعة يناجي فيها ربَّه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يفكر فيها في صنع الله وساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم والمشرب » وفيه رد على من زعم لنفسه دوام تلك الحال وأنَّه لا يميل معها إلى الأهل والمال اللهم إلاَّ أن يدعي أنَّه خرج من جبلة البشر وتعاطى دوام الذكر وعدم الفترة التي هي من خواص الملائكة والحق أنَّ دوام الأحوال محال عادة وإنَّما الذي يمكن دوامه هو المقام وهو يحصل للإنسان لسعيه وكسبه والحال تحصل بهبة ربه ولهذا قالوا المقامات مكاسب والأحوال مواهب ( 1 ) وفيه دلالة واضحة

--> ( 1 ) قوله : « المقامات مكاسب والأحوال مواهب » كلمة متلقاة من الصوفية ولا ضير في نقلها والاعتماد عليها والاعتناء بها إذا لم تكن من البدع ودلَّ عليها العقل ولا ريب أن كل كمال للنفس يفيض عليها من الملاء الأعلى سواء كان علماً نافعاً أو خلقاً حسناً ، وإذا أخذته النفس والتفتت إليه واعتنت به وعملت بمقتضاه وحفظته صارت ملكة راسخة وسمى مقاماً وإن لم تعتن به وأهملته وكان في معرض الزوال سمى حالا ، والأصل في ذلك أنَّ في الإنسان قوة تسمى بالقوة العاقلة وقوة اُخرى تسمى بالواهمة ، والشهوة والغضب وما يتضرع عليها من الأهواء من الواهمة والخير والفضائل من العاقلة ، والعاقلة والواهمة قد تتفقان كشهوة طعام الحلال ودفع أعداء الدين فلا كلام وقد تتخالفان وهو الغالب وكل ما نرى من البدع والضلالات والفتن والأهواء والفسوق والمعاصي فإنَّما هي لغلبة القوة الواهمة على العاقلة لا لأن العاقلة معزولة لا تحكم بشيء بل لأنها مغلوبة لا تطيعها سائر القوى ولو كانت العاقلة معزولة لكان صاحبها بمنزلة الحيوان والمجانين ولكنها آمرة لا تطاع وطريق تسخير الواهمة أن يتمرن الإنسان ويتتبع حالاته فكلما رأى حالا أفيضت عليه وأمره بها العقل تمسك ولم يهمل وعمل بها قهراً على الواهمة حتَّى يصير الحال راسخة والعاقلة غالبة والواهمة مغلوبة ويثبت على الخير ويحصل له المقام وليس الحال والمقام منحصرين في مرتبة بعينها من مراتب السلوك بل هما في جيمع منازل السالكين إلى الله تعالى ، وهنا مطالب يسئل عنها وقد أشير إليها في مطاوي الأحاديث السابقة لابدَّ من الإشارة إليها بتوفيق الله تعالى : الأول : ما معنى الإيمان المعار والمستودع ؟ هل تحقق عندهم اليقين بالتوحيد والنبوة أو شكوا وظنوا ؟ فإن تحقق عندهم اليقين فلا يمكن زوال اليقين والضلال بعد الهداية على ما مرَّ في الروايات فليس معاراً وإن شكوا أو ظنوا فليس الشك ولا الظن إيماناً والجواب أنَّهم أيقنوا بعقولهم وعارض عقولهم أوهامهم نظير من يعلم يقيناً إن الميت جماد والجماد لا يخاف منه ولكن يفر من الميت ولا يخضع لعقله كذلك هؤلاء وليس لهم التزام بما تحكم به عقولهم إلاَّ في حالات خاصة لا يزاحم الدين أهواءهم وقد مرَّ في الحديث الذي سبق في باب علامة المعار « أنَّ الحسرة والندامة والويل كله لمن لم ينتفع بما أبصره - أه‍ » وليس كل من عرف شيئاً يقيناً ملتزماً بالعمل بيقينه كمريض يعلم ضرر طعام ويأكله متابعة لشهوته وفي ذلك الحديث أيضاً من لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنَّما ذلك مستودع أي أبصر ولم ينتفع بما أبصره . الثاني : قد مرَّ في بعض الروايات أنَّ الرجل المؤمن لا ينقل إلى الكفر فما معنى الإرتداد والأحكام الواردة للمرتد في الفقه وما معنى قوله تعالى ( إنَّ الذين كفروا - إلى قوله - ثمَّ ازدادوا كفراً ) فإنَّ الظاهر منها متناقض والجواب أنَّ أحكام الفقه واردة للدنيا وهذه الروايات ناظرة إلى الآخرة ولا تناقض بينهما فمظهر الإسلام محكوم بالإسلام في الدُّنيا فإذا ظهر منه الإنكار حكم بارتداده في الدنيا وأمَّا بالنسبة إلى الآخرة فالمرتد لم يكن مؤمناً حقيقة والدليل عليه مع هذه الروايات أُمور : الأول : أنَّ الشك بعد اليقين خلاف العادة ; لأن الإنسان قد يتفق له أن يشك في شيء ثم يتنبه لدلائل ثبوته ويتيقن به ولكن لا يتفق عادة ان يتضح لديه شيء يتقين به ويدرك الواقع على ما هو عليه بالبداهة أو بدليل صحيح ثمَّ يشك فيه كمن رأى ناراً وأدرك حرارتها بيده أو ثبت عنده أن حاصل ضرب أربعة في خمسة عشرون لم يتردد فيه إلاَّ أن يكون المطلب مبهماً وكان اقراره به أولا تخميناً ثبت بعده خطاؤه . الثاني : ما استدل به كثير من المتكلمين أنَّ المؤمن يستحق الثواب والكافر العقاب فإذا مات المرتد على الكفر استحق الثواب على الإيمان والعقاب على الكفر ولا يمكن الجمع بينهما ولا احباط في مذهبنا ولا تكفير وحينئذ فإما ان يقدم العقاب على الكفر فيخرج منه إلى الثواب خالداً وهو غير صحيح مع موته على الكفر وإمَّا يقدم الثواب فيخرج منه إلى العقاب الدائم على الكفر وهذا أيضاً ينافي الثواب لأن انتظار العقاب حين الثواب منغص للالتذاذ به وغير مناسب للكريم تعال ولا استدراج في القيامة . المطلب الثالث ان قيل لا منافاة بين أن يكون الإنسان مؤمناً موقناً بالله تعالى ورسالة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) وان لا يعرض له شك فيها بعد الإيمان لكن يصير مرتداً بإنكار اُمور اخر من ضروريات الدين كالمعاد وحدوث العالم قلنا هذا غير معقول ; لأن اليقين بالرسالة يقين بجميع ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فإن تردد الموقن بالرسالة في شيء فإنَّما تردد في صحه نسبة ذلك الشيء إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وهو لا يستلزم الإرتداد ; لأن المرتد من ينكر شيئاً مع علمه بصدوره من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( ش ) .