مولي محمد صالح المازندراني
425
شرح أصول الكافي
بالنوافل وضيع باقي أوقاته في المباحات ولذاتها وأظلم قلبه بزهرات الدنيا وشهواتها بعد عن المولى بعبادة الهوى ، ولم تصف الفرائض له في وقت الأداء ونقصت عن حد الكمال وفاته كمال التقرب والتحبب بخلاف ما إذا اشتغل بالنوافل فإنه يوجب كمال الفرائض وزيادة القرب ودوام التحبب ، وهكذا حتى يبلغ مرتبة كمال المحبة فلا يحب إلاّ الله ، والله عزّ وجلّ يحبه . ومعنى محبة الله تعالى للعبد كما ذكره شيخ العارفين في الأربعين هو كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه من أن يطأ على بساط قربه فإن ما يوصف به سبحانه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادي وعلامة حبه سبحانه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور ، والترقي إلى عالم النور ، والأنس بالله والوحشة مما سواه وصيرورة جميع الهموم هماً واحداً انتهى . وفي قوله « إليّ » في الموضعين حيث لم يقل إلى جنتي ولا إلى ثوابي وكرامتي ولا إلى بري به وصلتي دلالة واضحة على أنه ينبغي للسالك العابد أن يقصد بعبادته ذاته عزّ وجلّ لا عوضاً عليها ولا جزاء فإن العوض والجزاء غيره تعالى ومن كانت عبادته للأغيار لم تصف محبته للولي الجبار . كما قيل لن يصل العبد إلى حقيقة الحرية وقد بقي عليه من غير الله بقية . ثم أشار إلى شرف منزلة المحبة وبعض آثارها بقوله : ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته ) ليس المراد ما يفيده ظاهر ( 1 ) هذه العبارة من
--> 1 - قوله « ليس المراد ما يفيده ظاهر » لأن العبارة إذا دلت على معنى مستحيل لا يليق أن يتفوه المتكلم بها أو كان في سائر عباراته وكلامه ما ينافيه فلابُدّ أن يكون مراده بالعبارة الأولى معنى غير مستحيل يصح العبارة عنه بتلك العبارة واتحاد الاثنين معنى مستحيل لا يمكن أن يلتزم به عاقل ، وقد حكى ابن سينا عن عوام الصوفية وأبطل القول به في النمط السابع من الإشارات وصرح أعاظم الصوفية وعلمائهم بأن مرادهم بالاتحاد ليس ما يتبادر إلى أذهان الأكثرين وفي أبيات الشبستري : تعين بود كز هستي جدا شد * نه أو بنده نه بنده خود خدا شد وفي كلام محيي الدين ابن عربي وهو من أشد المصرين على الاتحاد تصريحات كثيرة بتحقق الكثرة في التعينات أي الممكنات تجعل قرينة على أن مراده بالاتحاد غير ما توهمه عوام الصوفية على ما نقل ، وكلامه في الاتحاد ممزوج مع الحكم بالتعدد وفي الفص الإبراهيمي بشرح القيصري : « فالحكم لك بلا شك في وجود الحق وذلك لأن وجود الحق من حيث هو هو واحد لا تعدد فيه فالتعدد والتنوع والاختلاف من أحكام مرايا الأعيان في الوجود الحقاني » . ثم قال : « إن ثبت أنك موجود أي بالوجود الفائض عليك من الحق تعالى فالحكم لك بلا شك » وأمثال ذلك كثيرة جداً في كلامه في كتبه فثبت أن الاتحاد المتوهم ليس مذهباً لعرفائهم وحكمائهم وعلمائهم وأن ما تفوهوا به ليس إلاّ عبارة عن معنى صريح نظير ما ذكره الشارح وغيره من العلماء في تفسير هذا الحديث وأمثاله ، وما يقال أن ظاهر كلامهم الاتحاد وهم مأخوذون بالظاهر ، قلنا : الظاهر حجة إذا لم يكن قرينة عقلية أو نقلية متصلة أو منفصلة على إرادة خلاف الظاهر ، وإذا كان كلام القائلين مملوة من قرائن تدل على عدم إرادة معنى مستحيل ولا يحتمل منهم الالتزام به فالتمسك بظاهر باطل خارج عن الطريق المستقيم . قال الشارح : لابُدّ فيه من تأويل وذلك لأن الحديث ليس مما يحتمل فيه الوضع والجعل لبعد هذه المعاني عن أذهان عامة الناس ولأنه مروي باتفاق الفريقين وإسناد مستفيض عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وروته العامة في صحاحهم وأصحابنا في كتبهم وتكلموا فيه كثيراً ، وأشار الشارح في المجلد الأوّل إلى معنى الفناء وذكرنا هناك ما يؤيده وأورد العلامة المجلسي كلام الشيخ بهاء الدين العاملي في معنى الحديث وجميع ما ذكره في مرآة العقول بطوله لا يخرج من كلامه ولا حاجة بنا إلى نقل ما فيه ، ويكفي ما أورده الشارح هنا إن شاء الله جزاهم الله عن الدين وأهله خير الجزاء ولا بأس بأن نشير إلى نكتة هنا وهي أن الالفاظ الموضوعة في اللغة العربية وسائر اللغات إنما يتبادر منها المعنى الجسماني ولعل الواضع الأوّل لم يضع الألفاظ إلا له كالتباين والتفارق والتقارن والوصول فإنها تدلّ على المكاني منها وهي معروفة في الأجسام فجسم يباين جسماً لأنه في حيز وذاك في حيز آخر بعيد عنه أو قريب منه ، وقد يكون معنيان في حيز واحد كالحرارة والنور في شعلة السراج ، ولابُدّ من اتحاد المكان . وأما المجردات التي لامكان لها كالنفوس والعقول فإذا أطلق هذه الألفاظ عليها يتبادر الذهن منها إلى خلاف المقصود بمعنى أنه ليس تقارن النفس والعقل حلولاً نظير النور والحرارة ولا تباين نفس عن نفس بالمكان وليس إدراك أحداهما الأخرى وشعورها بها بالتماس ولا جهلها بها وعدم اطلاعها عليها بالحجاب والبعد كما يتبادر من هذه الألفاظ ولابُدّ من التعبير عن المقصود بلفظ يقرب المعنى إلى الذهن ولا يحصل إلاّ بالتشبيه مهما أمكن والتشبيه لا يستلزم التشريك في جميع الصفات كما إذا أردنا تشبيه خلق السماء والأرض بالباني الذي يبني البيت فإن وجه الشبه أصل الفعل لا عدم احتياج المخلوق إلى الله بعد حصول الوجود وإذا شبهنا بالشمس والنور فوجه الشبه احتياج السماء والأرض إلى خالقهما بقاء كاحتياج النور إلى الشمس لا في عدم الاختيار في إفاضة النور ، وكذلك يحتاج الحكيم إلى التعبير عن حال الإنسان بعد استكماله في العلوم الكلية فإنه سريع الاقتناض من العقول وشديد الارتباط مع الملأ الأعلى ولم يكن ربطه حال الصبى كذلك والنائم الذي يرى الرؤيا الصادقة شديد الارتباط مع الروحانيين العالمين بالغيوب وليس هذا الربط في اليقظة وليس الربط والاتصال معنى جسمانياً ، بل هو معنى لم يوضع له في اللغة كلمة خاصة به لا يتبادر منه إلاّ المعنى العلي فاستعير لفظ بدل على معنى أقرب إليه كالفناء والاتحاد والمحو والوصول فإن الرابطة بين النفس والعقل أشد من رابطة المتعلم والمعلم وقريب من الاتحاد كأن ذهن المتعلم دخل في ذهن المعلم ورأى في ذهن معلمه ما استعد لفهمه ، والتعبير بالاتحاد والفناء أقرب إلى هذا المقصود من التعبير بما يفيد القرب وأمثاله ولا يوجب ذلك تحير المستمع بعد أن أقاموا قرائن كثيرة على عدم إرادة اتحاد نظير اتحاد جسم وجسم حلول عرض وحالة في جسم كما أقاموا قرائن كثيرة على عدم إرادتهم من تشبيه بناء العالم ببناء البيت استغناء العالم عن الله تعالى في بقاء الوجود . وأما الاتحاد الذي يفهم العامة من هذا اللفظ فلا يتصور إلاّ بين جسمين فكأنهم تصوروا إله العالم جسماً والمخلوق جسماً آخر أو إله العالم عرضاً وحالة والمخلوق جسماً أو بالعكس وجميع ذلك غير معقول وللعوام وتدخلهم في الدين ضرر عظيم فقد أوجب بدع العوام الصوفية ودعاويهم وما لا يعرفون تنفير الناس عن كثير من العبادات ومحاسن الشريعة فلا يرغب أحد في تهذيب النفس وتحسين الأخلاق والرياضات المشروعة والأذكار والأدعية وعرض عيوب نفوسهم على البصراء بأدواء القلب والاستعلاج حذراً من التشبه بالصوفية . قد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه كان يختار أشق الأمور على نفسه حتى المباحات فإذا كان شيئاً كلاهما مباحين يختار أبعدهما عن اللذة . والرياضة حسنة على كل حال . ( ش ) .