مولي محمد صالح المازندراني

203

شرح أصول الكافي

لإكرامه برفع الدرجة التي لا يبلغها الإنسان قط بكسبه ، لأنه ممنوع من ايلام نفسه شرعاً وطبعاً فإذا سلط عليه في ذلك غيره أدرك ما لا يصل إليه بفعله كدرجة الشهادة لا يبلغها المؤمن قط بقتل نفسه ، وانما يبلغها بقتل العدو له في الله فيكرم الله عليه بدرجة الشهادة على يد غيره . ومنها لتشديد عقوبة العدو في الآخرة فإنه يوجب سرور المؤمنين به . والغرض من هذا الحديث وأمثاله حث المؤمن على الاستعداد لتحمل أنواع النوائب والأذى بالصبر والرضا بقضاء الله ، وبالله الاستعانة والتوفيق . 4 - عدَّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن داود بن سرحان قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : أربع لا يخلو منهنّ المؤمن أو واحدة منهنَّ ، مؤمن يحسده وهو أشدهنَّ عليه ، ومنافق يقفو أثره أو عدوٌّ يجاهده ، أو شيطان يغويه . * الشرح : قوله ( مؤمن يحسده وهو أشدهن ) لأن صدور الشر من القريب المجانس أشد وأعظم من صدوره من البعيد المخالف ، لتوقع الخير من الأوّل دون الثاني . 5 - محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن سنان ، عن عمار بن مروإن ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : إنَّ الله عزّ وجلَّ جعل وليّه في الدنيا غرضاً لعدوّه . 6 - عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن محمّد بن عجلان قال : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) فشكا إليه رجل الحاجة ، فقال له : اصبر فانَّ الله سيجعل لك فرجاً ، قال : ثمَّ سكت ساعة ، ثمَّ أقبل على الرَّجل فقال : أخبرني ، عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال : - أصلحك الله - ضيّق منتنٌ وأهله بأسو ء حال ، قال : فإنّما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة ، أما علمت أنَّ الدُّنيا سجن المؤمن . * الشرح : قوله ( اصبر فإن الله سيجعل لك فرجاً ) دلّت الفاء على أن الفرج مترتب على الصبر كما اشتهر « الصبر مفتاح الفرج » وكما قيل : « من صبر ظفر فاصبر تظفر » ثم قال تسلية له في تحمل المشاق والبليات رجاء لما بعد الدنيا من الخيرات : ( أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن ) قد ورد من طرق الخاصة والعامة « أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » يعنى أن المؤمن في الدنيا ممنوع من الشهوات المحرمة ومكلف بالأعمال والأخلاق الشاقة ، وممتحن بالبلايا والرياضات التامة ، فإذا مات استراح من جميع ذلك وانقلب إلى ما أعد الله له من النعيم المقيم ، وأما الكافر فإنما له الدنيا حسب ، وإذا مات انقلب إلى ما أعد الله له من العذاب الجحيم ، فالدنيا جنة له وإن كان ذا مشقة فيها .