مولي محمد صالح المازندراني
138
شرح أصول الكافي
سعي أخلص عنده من سعيه ، وكلُّ نفس أصلح عنده من نفسه ، عالمٌ بعيبه ، شاغلٌ بغمّه ، لا يثق بغير ربّه ، غريبٌ وحيدٌ جريدٌ [ حزين ] ، يحبُّ في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه ولا ينتقم لنفسه بنفسه ، ولا يوالي في سخط ربّه ، مجالسٌ لأهل الفقر ، مصادق لأهل الصدّق ، موازرٌ لأهل الحقّ ، عون للغريب ، أب لليتيم ، بعل للأرملة ، حفيٌّ بأهل المسكنة ، مرجوٌّ لكلِّ كريهة ، مأمولٌ لكلِّ شدَّة ، هشّاش ، بشّاش ، لا بعبّاس ولا بجسّاس ، صليبٌ ، كظّامٌ ، بسّام ، دقيق النظر ، عظيم الحذر ، [ لا يجهل وإن جهل عليه يحلم ] لا ينجل وإن نجل عليه صبر ، عقل فاستحيى ، وقنع فاستغنى ، حياؤه يعلو شهوته وودّه يعلو حسده ، وعفوه يعلو حقده ، لا ينطق بغير صواب ، ولا يلبس إلاّ الاقتصاد ، مشيه التواضع ، خاضع لربّه بطاعته ، راض عنه في كلِّ حالاته ، نيّته خالصة ، أعماله ليس فيها غِشٌّ ولا خديعة ، نظره عبرةٌ ، سكوته فكرةٌ ، وكلامه حكمة ، مناصحاً متباذلاً متواخياً ، ناصح في السّر والعلانية ، لا يهجر أخاه ، ولا يغتابه ، ولا يمكر به ، ولا يأسف على ما فاته ، ولا يحزن على ما أصابه ، ولا يرجو ما لا يجوز له الرَّجاء ، ولا يفشل في الشدّة ، ولا يبطر في الرَّخاء ، يمزج الحلم بالعلم ، والعقل بالصبر ، تراه بعيداً كسله ، دائماً نشاطه ، قريباً أمله ، قليلاً زلله ، متوقّعاً لأجَله ، خاشعاً قلبه ، ذاكراً ربّه ، قانعة نفسه ، منفيّاً جهله ، سهلاً أمره ، حزيناً لذنبه ، ميتة شهوته ، كظوماً غيظه ، صافياً خُلقه ، آمناً منه جاره ، ضعيفاً كبره . قانعاً بالّذي قُدِّر له ، متيناً صبره ، محكماً أمره كثيراً ذكره ، يخالط الناس ليعلم ، ويصمت ليسلم . ويسأل ليفهم ويتجر ليغنم ، لا يُنصت للخبر ليفجر به ، ولا يتكلّم ليتجبّر به على من سواه ، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة ، أتعب نفسه لآخرته ، فأراح النّاس من نفسه ، إن بُغي عليه صبر حتّى يكون الله الّذي ينتصر له ، بعده ممّن تباعد منه بغض ونزاهة ، ودنوُّه ممّن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده تكبراً ولا عظمة ، ولا دُنوُّه خديعة ولا خلابة ، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير ، فهو إمام لمن بعده من أهل البرّ . قال : فصاح همّام صيحة ، ثمّ وقع مغشيّاً عليه ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أما والله لقد كنت أخافها عليه وقال : هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها ، فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إنَّ لكلّ أجلاً لا يعدوه وسبباً لا يجاوزه ، فمهلاً لا تعد فإنّما نفث على لسانك شيطان . * الشرح : قوله ( قام رجل يقال له همام ) همام ككشاف وهو همام بن سريح بن بريد بن مرة بن عمرو بن جابر بن عوف الأصهب . وكان من شيعة علي ( عليه السلام ) وأوليائه وكان عابداً ناسكاً مجتهداً في الدين والأخلاق والأعمال . قال السيّد رضى الدين ( رضي الله عنه ) روي أنه قال يا أمير المؤمنين صف لي المتقين