مولي محمد صالح المازندراني
59
شرح أصول الكافي
* الشرح : قوله ( لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه ) وهو القسم الأوّل الذي أشرنا إليه . 9 - محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسن ، عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن زياد ، عن محمّد بن الحسن الميثمي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول : إنّ الله عزّوجلّ أدَّب رسوله حتّى قوّمه على ما أراد ، ثمّ فوّض إليه عزّ ذكره : ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فما فوّض الله إلى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) فقد فوّضه إلينا . * الأصل : 10 - علي بن محمّد ، عن بعض أصحابنا ، عن الحسين بن عبد الرّحمن ، عن صندل الخيّاط ، عن زيد الشحّام قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) في قوله تعالى : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) قال : أعطى سليمان ملكاً عظيماً ثمّ جرت هذه الآية في رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فكان له أن يُعطي ما شاء من شاء ويمنع من شاء ، وأعطاه [ الله ] أفضل ممّا أعطى سليمان لقوله : ( ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . * الشرح : قوله ( ثمّ جرت هذه الآية ) لأنّه فوّض إليه ( صلى الله عليه وآله ) المنع والإعطاء المتعلّقين بالرئاسة الدنيوية أيضاً . قوله ( أفضل ممّا أعطى سليمان ( 1 ) ) حيث فوّض إليه أمر الدين المتعلّق بالرئاسة الأُخرويّة .
--> ( 1 ) قوله « أفضل ممّا أعطى سليمان » حاصل أحاديث هذا الباب والمعنى الذي يتفق عليه جميعها أن بعض الأحكام مفوّض إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وبعضها موحى إليه من الله تعالى ويشكل بأن ما يفرضه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لا يمكن أن يكون إلاّ بأمر الله تعالى وهو ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) والجواب أن جميعها وإن كانت من الله تعالى وبأمر الله لكن الفرق في الطريق الموصل فبعض الأحكام يوحى إليه قرآناً بوسيلة روح القدس وبعضها غير قرآن وبعضها إلهام وإلقاء في الروع وبعضها بعلمه ( صلى الله عليه وآله ) بالمصلحة الملزمة وليس هذا أمراً غريباً كما يتفق للعلماء وإنهم يستنبطون الحكم تارة من الكتاب الكريم وتارة من نص الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وتارة من فحوى الخطاب كاستفادة حرمة ضرب الأبوين وشتمهما من قوله تعالى ( ولا تقل لهما أفٍّ ) وتارة يعرفون الحكم من العقل مجرّداً من النص المنقول كحرمة الغصب وقتل النفوس وليس معنى تفويض الله تعالى بعض أحكامه إلى رسوله أنه تعالى لا يعلم ولا يقصد ما يفعله الرسول ولا يجعل حكماً ولا يريد شيئاً إلاّ تبعاً لإرادة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بل الأمر بالعكس لكن عرف ( صلى الله عليه وآله ) وجوب الركعتين الأوليين بنص جبرئيل في ليلة الإسراء ووجوب الركعات الأُخر بإلهام وقوّة قدسية من الله أيضاً كما أن جميع ما نعرفه بعقلنا بل بحسّنا إنّما هو من جانب الله تعالى وإن لم يكن بوحي وإلهام بل بإعداد مقدّمات وحصول معدّات لا تنفك في سنّته تعالى عن إفاضة العلم والإدراك ولما جرت عادة الناس بأن ينسبوا ما استفادوا من غير سبب وواسطة إلى نفس المسبب وما استفادوا بواسطة إلى الواسطة مع اعتقادهم بأنه من ذي الواسطة فيتبادر من قولهم : شربت الماء من النهر إنّهم شربوا منه بلا واسطة لا من الحياض والحباب والكوز التي في دارهم مع أنها من النهر أيضاً جرى في هذه الأخبار على اصطلاحهم كما هو دأب الشرع في التكلّم مع الناس بلسانهم فسمّى ما أوحى إليه بلفظه من الله تعالى مثلاً فرض الله وما أُلهم به بقوّته القدسية وعلمه بالمصلحة الملزمة مثلاً فرض الرسول وإن كانت جميعاً فرض الله تعالى ومذهبنا المتفق عليه بيننا أن الأنبياء لا يشرعون حكماً باجتهادهم على ما صرّح به علماؤنا في كتب التفسير والكلام فراجع ما قالوا في تفسير آية ( ففهمناها سليمان - الآية ) لكنّه تعالى أدّب رسوله فأحسن أدبه وجعل فيه الخُلق العظيم وإذا حصلت فيه القوّة القدسية استعد لقبول الإلهام والإلقاء في الروع وأمثالهما كما في هذه الأخبار ، وبيّنه الشيخ الرئيس في الإشارات أحسن بيان . ( ش )