السيد مهدي الصدر
67
أخلاق أهل البيت ( ع )
التآخي التآخي الروحي : كان العصر الجاهلي مسرحاً للمآسي والأرزاء ، في مختلف مجالاته ونواحيه الفكرية والمادية . وكان من أبشع مآسيه ، ذلك التسيب الخُلقي ، والفوضى المدمّرة ، مما صيّرهم يمارسون طباع الضواري ، وشريعة الغاب والتناكر والتناحر ، والفتك والسلب ، والتشدق بالثأر والانتقام . فلما أشرق فجر الاسلام ، وأطل بأنواره على البشرية ، استطاع بمبادئه الخالدة ، ودستوره الفذّ أن يُطبّ تلك المآسي ، ويحسم تلك الأوزار ، فأنشأ من ذلك القطيع الجاهلي « خير أمة أخرجت للناس » ( 1 ) عقيدة وشريعة ، وعلماً وأخلاقاً . فأحلّ الإيمان محل الكفر ، والنظام محل الفوضى ، والعلم محل الجهل ، والسلام محل الحرب ، والرحمة محل الانتقام . فتلاشت تلك المفاهيم الجاهلية ، وخلفتها المبادئ الاسلامية الجديدة ، وراح النبي صلى اللّه عليه وآله يبني وينشئ أمة مثالية تبذ الأمم نظاماً ، وأخلاقاً وكمالاً . وكلما سار المسلمون أشواطاً تحت راية القرآن ، وقيادة الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله ، توغلوا في معارج الكمال ، وحلقوا في آفاق المكارم ، حتى حققوا مبدأ المؤاخاة بأسلوب لم تحققه الشرائع والمبادئ ، وأصبحت أواصر العقيدة أقوى من أواصر النسب ، ووشائج الإيمان تسمو على وشائج القومية والقبلية ، وغدا المسلمون . أمة واحدة ، مرصوصة الصف ، شامخة الصرح ، خفّاقة اللواء ، لا تفرقهم النعرات والفوارق . « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل ، لتعارفوا ، إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم » ( 2 ) .
--> ( 1 ) آل عمران : 110 . ( 2 ) الحجرات : 13 .