السيد مهدي الصدر

6

أخلاق أهل البيت ( ع )

وقد زخر التاريخ بأحداث وعبر دلّت على أنّ فساد الأخلاق وتفسخها كان معولاً هدّاماً في تقويض صروح الحضارات ، وانهيار كثير من الدول والممالك : وإذا أصيب القوم في أخلاقهم * فأقم عليهم مأتماً وعويلا وناهيك في عظمة الأخلاق ، أن النبي صلّى اللّه عليه وآله أولاها عناية كبرى ، وجعلها الهدف والغاية من بعثته ورسالته ، فقال : ( بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق ) . وهذا هو ما يهدف إليه علم الأخلاق ، بما يرسمه من نظم وآداب ، تهذّب ضمائر الناس وتقوّم أخلاقهم ، وتوجههم إلى السيرة الحميدة ، والسلوك الأمثل . وتختلف مناهج الأبحاث الخلقية وأساليبها باختلاف المعنيين بدراستها من القدامى والمحدثين : بين متّزمت غال في فلسفته الخلقية ، يجعلها جافة مرهقة عسرة التطبيق والتنفيذ . وبين متحكّم فيها بأهوائه ، يرسمها كما اقتضت تقاليده الخاصة ، ومحيطه المحدود ، ونزعاته وطباعه ، مما يجردها من صفة الأصالة والكمال . وهذا ما يجعل تلك المناهج مختلفة متباينة ، لا تصلح أن تكون دستوراً أخلاقياً خالداً للبشرية . والملحوظ للباحث المقارن بين تلك المناهج أنّ أفضلها وأكملها هو : النهج الاسلامي ، المستمد من القرآن الكريم ، وأخلاق أهل البيت عليهم السلام ، الذي ازدان بالقصد والاعتدال ، وأصالة المبدأ ، وسمو الغاية ، وحكمة التوجيه ، وحسن الملائمة لمختلف العصور والأفكار . وهو النهج الفريد الأمثل الذي يستطيع بفضل خصائصه وميزاته أن يسمو بالناس فرداً ومجتمعاً ، نحو التكامل الخُلقي ، والمثل الأخلاقية العليا ، بأسلوب شيق محبب ، يستهوي العقول والقلوب ، ويحقق لهم ذلك بأقرب وقت ، وأيسر طريق . هو منهج يمثل سموّ آداب الوحي الإلهي ، وبلاغة أهل البيت عليهم السلام ، وحكمتهم ، وهم يسيرون على ضوئه ، ويستلهمون مفاهيمه ، ويستقون من معينه ، ليحيلوها إلى الناس حكمة بالغة ، وأدباً رفيعاً ، ودروساً أخلاقية