السيد مهدي الصدر
140
أخلاق أهل البيت ( ع )
( ج ) غرور الجاه : ويعتبر الجاه والسلطة من أقوى دواعي الغرور ، وأشد بواعثه ، فترى المتسلطين يتيهون على الناس زهواً وغروراً ، ويستذلون كراماتهم صَلَفاً وكِبراً . وقد عاش الناس هذه المأساة في غالب العصور ، وعانوا غرور المتسلطين وتحديهم ، بأسى ولوعة بالغين . وفات هؤلاء المغرورين بمفاتن السلطة والرعة ، إن الاسراف في الغرور والأنانية أمر يستنكره الاسلام ويتوعد عليه بصنوف الانذار والوعيد ، في عاجل الحياة وآجلها ، كما يعرضهم لمقت الناس وغضبهم ولعنهم ، ويخسرون بذلك أغلى وأخلد مآثر الحياة : حب الناس وعطفهم ، وكان عليهم أن يستغلوا جاههم ، ونفوذهم في استقطاب الناس ، وتوفير رصيدهم الشعبي ، وكسب عواطف الجماهير وودّهم . أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الاحسان إنسانا وأقوى عامل على تخفيف حدة هذا الغرور ، وقمع نزواته العارمة ، هو التأمل والتفكر فيما ينتاب هؤلاء المغرورين من صروف الدهر ، وسطوة الأقدار ، وتنكر الزمان . فصاحب السلطان كراكب الأسد ، لا يدري أمَدَ غضبه وافتراسه . وقد زخر التاريخ بصنوف العبر والعظات الدالة على ذلك : ومنها : ما ذكره عبد اللّه بن عبد الرحمن صاحب الصلاة بالكوفة ، قال : دخلت إلى أمي في يوم أضحى ، فرأيت عندها عجوزاً في أطمار رثة ، وذلك في سنة 190 ، فإذا لها لسان وبيان ، فقلت لأمي : من هذه ؟ قالت : خالتك عباية أم جعفر بن يحيى البرمكي . فسلمت عليها ، وتحفيت بها ، وقلت : أصارك الدهر إلى ما أرى ؟ ! فقالت : نعم يا بني ، إنّا كنّا في عواري ارتجعها الدهر منّا . فقلت : فحدثيني ببعض شأنك . فقالت : خذه جملة ، لقد مضى عليّ أضحى ، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ،