السيد مهدي الصدر

133

أخلاق أهل البيت ( ع )

القانون الخالد : تواطأ الناس بأسرهم ، على ذم الدنيا وشكايتها ، لمعاناة آلامها ، ففرحها مكدّر بالحزن ، وراحتها منغصة بالعناء ، لا تصفو لأحد ، ولا يهنأ بها انسان . وبالرغم من تواطئهم على ذلك تباينوا في سلوكهم وموقفهم من الحياة : فمنهم من تعشقها ، وهام بحبها ، وتكالب على حُطامها ، ما صيرهم في حالة مزرية ، من التنافس والتناحر . ومنهم من زهد فيها ، وانزوى هارباً من مباهجها ومُتعها إلى الأديرة والصوامع ، ما جعلهم فلولاً مبعثرة على هامش الحياة . وجاء الاسلام ، والناس بين هذين الاتجاهين المتعاكسين ، فاستطاع بحكمته البالغة ، واصلاحه الشامل ، أن يشرّع نظاماً خالداً ، يؤلّف بين الدين والدنيا ، ويجمع بين مآرب الحياة وأشواق الروح ، بأسلوب يلائم فطرة الانسان ، ويضمن له السعادة والرخاء . فتراه تارة يحذّر عشّاق الحياة من خُدعها وغرورها ، ليحررهم من أسرها واسترقاقها ، كما صورته الآثار السالفة . وأخرى يستدرج المتزمتين الهاربين من زخارف الحياة إلى لذائذها البريئة وأشواقها المرفرفة ، لئلا ينقطعوا عن ركب الحياة ، ويصبحوا عرضة للفاقة والهوان . قال الصادق عليه السلام : « ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه » ( 1 ) . وقال العالم عليه السلام : « إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً » ( 2 ) . وبهذا النظام الفذ ازدهرت حضارة الاسلام ، وتوغل المسلمون في مدارج الكمال ، ومعارج الرقيّ الماديّ والروحي .

--> ( 1 ) ، ( 2 ) الوافي ج 10 ص 9 عن الفقيه .