مولي محمد صالح المازندراني
72
شرح أصول الكافي
تجعلوا للناس ) طلباً للسمعة والغلبة عليهم ( فإنّه ما كان لله فهو لله ) أي ما كان من الأقوال والأفعال في الدُّنيا لله فهو في الآخرة أيضاً لله يطلب الثواب منه ، أو ما كان لله فهو يصّعّد إلى الله ، فلا يرد أنَّ الحمل غير مفيد ( وما كان للناس فلا يصّعد إلى الله ) لأنّه تعالى لا يقبل من العمل إلاّ ما كان خالصاً له ( ولا تخاصموا الناس لدينكم فإنَّ المخاصمة ممرضة ) ( 1 ) بفتح الميم والرَّاء بينهما ميم ساكنة اسم مكان للكثرة ، وبكسرها : اسم آلة وبضمّها وكسر الرَّاء : اسم فاعل من أمرضه إذا جعله مريضاً ( للقلب ) لأنَّ كلَّ واحد من المتخاصمين يلقي شبهة على صاحبه والشبهة مرض القلب وهلاكه ، وإيضاً إذا بلغ الكلام إلى حدِّ الخصومة فكثيراً يتجاوز عن القدر اللاّئق في النصيحة وذلك يوجب ازدياد ميل قلب المخاطب إلى الباطل وبالجملة القلب المستعدُّ لقبول الحقِّ يكفيه أدنى الدّعوة
--> 1 - قوله « ممرضة للقلب » الحاصل من روايات هذا الباب على ما يتبادر إلى الوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا بواجبين مع أن وجوبهما صريح القرآن بل من ضروريات دين الإسلام والأخبار متواترة بذلك وطريق الجمع فيه عين ما يقال في قوله تعالى ( لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشدُ من الغي ) وأمثاله ، وتوسل بعضهم بالنسخ وأن عدم الإكراه منسوخ بفرض الجهاد وهو ضعيف . ثم لا يجري هذا الجواب في أمثال قوله تعالى : ( وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) وقوله : ( انك لا تهدي مَنْ أحببت ولكن الله يهدي مَنْ يشاء ) والحل أن الاعتقاد أو الأيمان الحقيقي لا يتحقق بالإكراه وإنما يؤثر الإكراه في التلفظ بلفظ لا يعتقد معناه ولا يأمر الله تعالى بشيء يعلم أن وجوده غير ممكن ، وما ورد في روايات هذا الباب إنما هو النهي عن الإكراه والالتزام اللفظي والتظاهر بالدين فإنما لا تفيد الإنسان شيئاً والإصرار فيه متعبة على الأمر ومضجرة للمأمور ، وربما يلزم منه الفساد ، وأما ما يستفاد منه من الجبر فالجواب عنه قد علم مما مر ويشير إليه الشارح وإذا غلب على الإنسان العادات السيئة والعجب بالنفس والانهماك في الشهوات والتعصب للغلط ، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . لم يؤثر منهم دعوة الأنبياء وموعظة الصلحاء وليس ذلك إلاّ لتقصير المكلّف نفسه ولما كان حصول هذه المقدمات والأسباب منه جاز عقابه ولأن أفاضة الصور واللوازم على المواد المستعدة بعد وجود أسبابها من الله تعالى نسبت اليه ولا يدفع عن المكلّف المسؤولية بكون الإفاضة من الله تعالى كما لا يدفع حصول صورة الخمر في العصير بأمر الله تعالى الإثم عن العاصر كما بيّن فيما مضى ، ثم أن وزن مفعلة لا يجب أن يكون اسم مكان أو مصدراً بل هي صيغة خاصة تدل على الكثرة وسماعية غير قياسية نظير وزن فعالة لما ينتشر بالفع كالصبابة والقراضة والقلامة والنشارة يقال « السواك مطهرة للفم ، وصلة الرحم منماة للمال والبطنة مؤسنة » وأمثال ذلك كثير وبالله التوفيق . ( ش )