مولي محمد صالح المازندراني
70
شرح أصول الكافي
وميله إلى نجد الخير ( نكت في قلبه نكتة من نور ) أي أحدثها فيه وهو من نكت الأرض بالقضيب إذا أثر فيها ( وفتح مسامع قلبه ) الّتي يسمع بها كلمات الحقِّ وإلهامات الملك ( ووكّل به مَلَكاً يسدِّده ) بإلهام الحقِّ ونفخ الصواب وهذا التسديد يسمّى لمّة المَلَك ( وإذا أراد بعبد سوء ) لحركته إلى نجد الشرِّ وميله إلى سبيل الضلال ( نكت في قلبه نكتة سواء وسدَّ مسامع قلبه ) وهو الختم لئلاّ يدخل فيه الحقُّ ( ووكّل به شيطاناً يضلّه ) يعني خلّى بينه وبين الشيطان ليضلّه عن الحقِّ ويلهمه الباطل وهذا الإضلال يسمّى لمّة الشيطان . ومن طريق العامّة « أنَّ للشيطان لمّة بابن آدم وللملك لمّة فأمّا لمّة الشيطان فإيعاد بالشرِّ وتكذيب الحقِّ وأمّا لمّة المَلَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقِّ ، فمن وجد ذلك فيحمد الله ومن وجد الاُخرى فليتعوَّذ بالله من الشيطان الرِّجيم ( 1 ) » ، وتوضيح ذلك أنَّ الله تعالى خلق القلب صافياً مجلوّاً قابلاً للصفات النورانيّة ، فإنَّ مال إلى الحقِّ يحدث الله تعالى فيه نور الإيمان ويوفّقه له وهو المراد بالنكتة النورانيّة لأنَّ الإيمان وغيره من الفضائل كلّها نورانيّة وبذلك النور ينفتح المسامع القلبيّة ويقرأ عليه المَلَك كلمات الخيرات فإن استمع إليها واعتقد بالعقليّات عمل وبالعمليّات ازدادت نورانيّته حتّى يصير نوراً صرفاً يتنوَّر في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام ، وإن مال إلى الباطل يحدث الله تعالى فيه ظلمة الكفر ويسلب التوفيق عنه حتّى يمضي ما أراد أمضاءه ، وهذا هو المراد بالنكتة السوداء لأنَّ الكفر وغيره من الدَّمائم كلّها ظلمة وسوداء وبتلك النكتة السوداء ينسدُّ مسامع الإلهامات الملكيّة وينفتح مسامع الوساوس الشيطانيّة فيقرء الشيطان عليه كلمات الشرور فإن استمع إليها وعمل بها ازدادت ظلمته حتّى يصير كلّه ظلمانيّاً صرفاً كالقمر المنخسف ، وسيجئ لهذا زيادة تحقيق في باب الذُّنوب إن شاء الله تعالى ( ثمَّ تلا هذه الآية : ( فمن يرد الله أن يهديه ) ) في الآخرة إلى طريق الجنّة وفي الدُّنيا إلى طريق الخيرات بعد أن عرَّفه النجدين وحسن استعداده لنجد الخير ( يشرح صدره للإسلام ) أي لقبول معارفه وأحكامه حتّى تتأكد عزمه عليها ويقوّي الدَّاعي على التمسّك بها ويزول عنه الوساوس والشيطانيّة والهواجس النفسانيّة وذلك من لطف الله تعالى عليه وكمال إحسانه إليه ( ومَن يرد أن يضلّه ) عن طريق الجنّة بإرشاده إلى النار وتخليته مع الشرور لأجل إبطاله الاستعداد الفطري وإعراضه عن طريق الخير ( يجعل صدره ضيّقاً حرجاً ) لانقباضه بقبض الكفر والعصيان وتقيّده بقيد الظلمة والطغيان ، يعني أنّه تعالى يسلب اللّطف عنه لا أنّه يسلب الإيمان عنه بل لا يبعد أن يقال : إن يقال : إنَّ صنعه
--> 1 - أخرجه الترمذي في السنن ج 11 ص 109 وقال هذا حديث حسن غريب .