مولي محمد صالح المازندراني
6
شرح أصول الكافي
كانت به وقعة مشهورة بينه ( عليه السلام ) وبين أهل الشام ( إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه » جثا كدعا جلس على ركبتيه ( ثمَّ قال له : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا ) أي عن سيرنا ( إلى أهل الشام أبقضاء وقدَر ) لعلّ المراد بالقدر تقدير ذلك المسير ( 1 ) في الأزل كمّاً وكيفاً وزماناً وتعباً إلى غير ذلك من الاُمور الناشئة فيه ، والمراد بالقضاء الحكم بتحقّقه ( فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أجل ) أجل بالتحريك وسكون اللاّم من حروف التصديق ( يا شيخ ما علوتم تُلعة » هي ما ارتفع من الأرض ( ولا هبطتم بطن واد ) هو ما انخفض من الأرض ( إلاّ بقضاء من الله وقدر ، فقال له الشيخ عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ) أي أعُدُّ العناء والتعب وما أوجبه أعني السير والحركة من أفعال الله تعالى حتّى لا يكون لي شيء من الأجر إذ لا معنى لأجر شخص بفعل غيره وهذا الكلام يحتمل الاستفهام والإخبار ( فقال له : مه يا شيخ ) مه كلمة بنيت على السكون وهو اسم سمّي به الفعل ومعناه أكفف نفسك عن هذا الكلام ، وفي كتاب عيون أخبار الرِّضا ( عليه السلام ) فقال : مهلاً يا شيخ . ( فوالله ) صدر بالقسم مع أنّه صادق مصدَّق لسان الحقِّ للمبالغة في التصديق بما يقول ولاقتضاء المقام إيّاه ( لقد عظّم الله لكم الأجر ) هذا يردّ قول مَن قال الأجر بإزاء ما ليس باختيار كالأمراض والبلايا وإنّما المقابل للاختيار هو الثواب ( في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ) الأظهر أنَّ المسير والمقام والمنصرف اسم الزَّمان أو المكان لا مصدر ميمي ليصون الكلام عن التكرار ولمّا أومأ إلى أنَّ سيرهم ونحوه كان باختيارهم بإثبات لازمه الّذي هو الأجر صرَّح بعدم كونهم مجبورين على ذلك بقوله ( ولم تكونوا في شيء من حالاتكم ) وهي السير والإقامة والأنصراف وغيرها ( مكرهين ولا إليه مضطرّين ) لعلَّ الإكراه أشدُّ من الاضطرار فلذلك نفاه بعد نفي الإكراه ( فقال له الشيخ ) على سبيل الاستعلام والتفهّم دون الإنكار والتعنّت ( وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرِّين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا
--> 1 - قوله « المراد بالقدر تقدير ذلك المسير » وهذا الاصطلاح في القدر والفرق بينه وبين القضاء بما ذكر مأخوذ من الشيخ أبي علي بن سينا ومَن تبعه وهو قريب من المعنى اللغوي لأن القضاء : الحكم ، والقدر : تعيين المقادير والخصوصيات والحدود وغير ذلك من التفاصيل والمأوّل للبداء بلوح المحو والأثبات على ما سبق يسمى ما في اللوح المحفوظ قضاء وما في لوح المحو والأثبات قدراً وروى عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه تنحى من جدار يريد أن ينقض فقيل : أتفر من قضاء الله ؟ قال ( عليه السلام ) : أفر من قضاء الله إلى قدره لأن في لوح القدر التغير والتجدد والتخلص من الآفة المقبلة أو المخاطرة بالنفس فيما يمكن التحفظ منه . ( ش )