مولي محمد صالح المازندراني

54

شرح أصول الكافي

* الشرح : ( وبهذا الإسناد ، عن يونس ، عن حمّاد ، عن عبد الأعلى قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أصلحك الله هل جُعل في الناس أداة ) الأداة الآلة والمراد بها هنا العقل والذُّكاء ( ينالون بها ) بدون التعريف والتوقيف والتكليف ( المعرفة ) أي معرفة الله تعالى ومعرفة الرَّسول ومعرفة الأحكام أيضاً ( قال : فقال لا . قلت فهل كُلّفوا المعرفة ) بالنظر والاستدلال ( قال : لا ، على الله البيان ) ( 1 ) وعليهم القبول كما دلَّ عليه ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد عن الصادق ( عليه السلام ) قال : « ليس لله على الخلق أن يعرفوا قبل أن يعرِّفهم وللخلق على الله أن يعرِّفهم ولله على الخلق إذا عرَّفهم أن يقبلوا » . ثمِّ أشار إلى أنَّ تكليفهم بالمعرفة تكليف بالمحال بقوله ( لا يُكلّف الله نفساً إلاّ وسعها ولا يُكلّف الله نفساً إلاّ ما آتاها ) من الاقتدار على قبول المعارف والأحكام فهم مكلّفون بقبولها بعد البيان لا بتحصيلها إذ المعارف والأحكام توقيفيّة فهي من صنع الله تعالى لا من صنعهم وإذا لم تكن من صنعهم كان التكليف بها تكليفاً بالمحال ، وفيه ردٌّ على مَن زعم أنَّ المعرفة نظريّة يجب على العباد تحصيلها بالنظر وأنَّ الأحكام الشرعيّة يجوز استنباطها بالرَّأي والقياس ، وعلى مَن زعم من الأشاعرة أنَّ تصوُّر الخطاب من غير سبق معرفة إلهاميّة بخالق العالم وبأنَّ له رضاً وسخطاً وبأنّه لابدَّ من معلّم من جهته تعالى ليعلّم الناس ما يصلحهم وما يفسدهم كاف في تعلّق التكليف بهم ( قال : وسألته عن قوله ( وما كان الله ليُضلَّ قوماً بعد إذ هديهم حتّى يُبيّن لهم ما يتّقون ) قال : حتّى

--> 1 - قوله « قال لا على الله البيان » يعني لم يجعل فيهم آلة ينالون بها المعرفة ، فأن قيل قد مرّ في الكتاب الأول وأحاديث العقل والجهل أن الله تعالى جعل العقل آلة لمعرفة الله تعالى بالنظر في آياته تعالى في خلق السماوات والأرض وغيره خصوصاً حديث هشام الطويل - وقد مرّ - فما وجه الجمع بينها وبين ما في هذا الحديث ؟ قلنا الغرض من المعرفة هنا العلم بجميع الأحكام والتكاليف وما أراد الله تعالى منّا تفصيلاً والعقل آلة للعلم بوجوده تعالى وصفاته أجمالاً ، وما ورد في تعليم العباد من التنزيه والتنبيه على آيات قدرته لطف في الواجب العقلي . وأعلم أن هذا الحديث كما يدل على عدم كفاية العقل في استنباط جميع ما أراده الله منّا يدل على بطلان ما نقل عن بعضهم من أن معرفة الله تعالى بالفطرة تغني عن النظر إذ لو كان المعرفة بالفطرة تغني عن النظر العقلي تغني عن تعليم الأنبياء أيضاً ولكن الفطرة معدة للعقل حتى يستعد لقبول قول الأنبياء فيما يتوقف على تعليمهم وللنظر والاستدلال فيما لا يتوقف عليه بمنزلة شهوة الطفل للبن بالفطرة فإنها لا تغني عن إرضاع الأم بل يعده لقبول الرضاع . ( ش )