مولي محمد صالح المازندراني

48

شرح أصول الكافي

ظاهراً فبأن عرَّفهم طريق التوحيد وما يليق به أوَّلاً وطريق الخيرات والشرور ثانياً بوضع الشرائع وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب ونصب الأوصياء وبذلك يحتُّج عليهم يوم القيامة كما قال : ( كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ) وقال : ( ألم يأتكم نذير ) إلى غير ذلك من الآيات . ( محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن درَّاج مثله ) كأنَّ جميل بن درّاج روي هذا الحديث تارة أخرى عنه ( عليه السلام ) بلا واسطة . * الأصل : 2 - « محمد بن يحيى وغيره ، عن أحمد بن عيسى ، عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن حكيم قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : المعرفة من صنع من هي ؟ قال : من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنعٌ » . * الشرح : ( محمّد بن يحيى وغيره ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن محمّد ابن حكيم قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : المعرفة من صنع من هي ؟ ) أهي من صنع الله تعالى وتوفيقه أو من صنع العباد وكسبهم بأفكارهم ( قال : من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنع ) قد رويت في هذا المعنى روايات كثيرة بلغت لكثرتها حدَّ التواتر المعنوي منها مذكورة في كتاب التوحيد للصدوق ( رحمه الله ) ومنها مذكورة في كتاب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقي ( رضي الله عنه ) ومنها مذكورة في غيرهما من الكتب المعتبرة وفيه دلالة بحسب المنطوق والمفهوم على أنَّ معرفته تعالى توقيفيّة وأنَّ العباد لم يكلّفوا بتحصيلها بالنظر والاستدلال وأنَّ على الله البيان والتعريف ، أوَّلاً : في عالم الأرواح بالإلهام ، وثانياً : في عالم الأجسام بإرسال الرَّسول وإنزال الكتب وأنَّ عليهم قبول ما عرّفهم الله تعالى ، فبطل ما ذهب إليه الأشاعرة والمعتزلة وبعض أصحابنا من أنَّ معرفته تعالى نظريّة ( 1 )

--> 1 - قوله « وبعض أصحابنا من أن معرفته تعالى نظرية » لم يظهر لنا وجه بطلان قولهم من الروايات التي أشار إليها إذ لا ريب أن كون المعرفة من الله تعالى والصور الإدراكية فائضة على الذهن من قبله لا يوجب سلب التكليف أو سلب الاختيار عن العبد كسائر أفعال العباد على ما مرّ في تصوير الأمر بين الأمرين ونفي الجبر والتفويض فإن الله تعالى أراد كون الإنسان مختاراً في أفعاله فإذا فعل أفعالاً باختياره ترتب عليها آثاره قهراً بإرادة الله فإذا زنى رجل خلقه الله من نطفته في رحم المرأة المزني بها ولد الزناء ، وإذا عصر العنب وجعل العصير في موضع مناسب خلقه الله تعالى خمراً وإذا جرح رجلاً جراحة مهلكة سرى المرض وأزهق الله روحه وترتب النتائج في جميع ذلك بأمر الله تعالى والمكلّف عاص بترتيب المقدّمات وتسبيب الأسباب وكذلك لا ينافي كون النظر في الأدلة والسير في الآفاق والأنفس والاعتبار بالآيات التي خلقها الله في كل شيء واجباً من فعل العبد بهداية عقله فراراً عن الضرر المحتمل وشكراً للمنعم ، ومع ذلك يكون إفاضة الصور الإدراكية بعد الأسباب التي اختارها العباد من قبل الله تعالى ، وأما قوه تعالى ( وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولاً ) فهو لطف في الواجب العقلي أو محمول على مالا طريق للعقل اليه وإلاّ فكيف يُسأل أهل الجاهلية عن وأدّ البنات كما قال تعالى ( وإذا الموؤودة سُئلت بأي ذنب قُتلت ) إلاّ بدلالة العقل صريحاً على قبحه قبل بعثة الرسول وإنما يلزم ما قاله الأسترآبادي وارتضاه الشارح إن كان معنى إفاضة المعرفة على قلوب الناس إفاضتها من غير أسباب المعرفة أي بدون النظر بالإرادة الجزافية وهذا شيء أنكر مثله الشارح في تفسير القضاء وإبطال التفويض وأن تعلق علمه بفسق زيد وكفر عمر ولا يوجب صدورهما بغير اختيارهما كما مرّ . ( ش )