مولي محمد صالح المازندراني
218
شرح أصول الكافي
العالم بالقوانين العربيّة . قوله : ( وعييت البلغاء ) البليغ : هو العارف بقوانين الفصاحة والبلاغة والقادر على تأليف كلام فصيح بليغ . قوله : ( عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله ) الجارّ متعلّق بضلّت العقول وما عطف عليه على سبيل التنازع ، والشأن : الأمر والحال والوصف ، ولعلّ المراد به تصرّفاته في عالم الإمكان والأعمال البدنيّة وهو كلّ آن وزمان في شأن ، وبالفضيلة : العلوم العقليّة والكمالات النفسيّة . قوله : ( وأقرّت بالعجز والتقصير ) أي أقرت العقول والحلوم والألباب وغيرهم من الأصناف المذكورة الّتي هي أشرف أصناف الخلق بالعجز والتقصير عن معرفة شأن واحد من شؤون الإمام وفضيلة واحدة من فضائله فغيرهم أولى بالعجز . قوله : ( وكيف يوصف بكلّه أو ينعت بكنهه ) أي بكلّ الوصف وبكنه النعت والاستفهام للإنكار لعدم القدرة على معرفة ذلك . قوله : ( ويغني غناه ) ( 1 ) الإمام من يغني الناس بكلّ ما طلبوه منه من أحوال المبدأ والمعاد
--> 1 - قوله : « ويغني غناه » الفوائد العظيمة المترتبة على وجود الإمام المعصوم المنصوب من الله تعالى لا تترتب على حكومة غيره البتة كيفما كان ، وقد ذكر العلماء بهذا الشأن أقسام الحكومة قديماً وجديداً ولا يسعنا الآن تفصيل جميعها إلاّ بإشارة إجمالية إلى بعض ما اشتهر عند الناس حسنها ورجحانها ولا ريب أن الحكومة القسرية وهي أن يكون الولاة جماعة مخالفة في الآراء والأهواء للمرؤسين ويقهروهم على قبول آرائهم مباينة بطبيعة الإنسان فإنه خلق مختاراً والقهر على خلاف طبيعته والإنسان المقهور على خلاف آرائه كالنبات تحت خباء لا ينمو البتة ولا يورق ولا يثمر ، وإن كانت الولاة صالحين والأمة فاسدة فشأن الصلحاء تعليم الناس الآراء المحمودة والأخلاق الفاضلة حتى يستعدوا لقبول حكومة الصلحاء بطبعهم والحكومة الطبيعية أن يكون الأمة موافقة للولاة في آرائها وأهوائها محمودة كانت أو مذمومة وعلى هذا فلا كلام إلاّ في أقسام الحكومة الطبيعية وهي تابعة لأقسام أهواء الناس وآرائهم ، قد ذكر الفارابي في كتابه الموسوم بالسياسات المدنية بعد أن أخرج منهم الإنسان غير المتمدن وسماهم نوابت الاجتماع وشبههم بالشيلم في الحنطة مرّة وبالبهائم أخرى وقال : انهم ليسوا مدنيين ولا تكون لهم اجتماعات مدنية أصلاً قال : المدنيون على أنحاء كثيرة منها اجتماعات ضرورية ، ومنها اجتماع أهل النذالة في المدن النذلة ، ومنها الاجتماع الخسيس في المدن الخسيسة ، ومنها اجتماع الكرامة من المدن الكراميّة ، ومنها الاجتماع التغلبي في المدن التغلبيّة ، ومنها اجتماع الحرية في مدينة الجماعة ومدينة الأحرار . وشرح كل واحد منها وشرائط رئيسهم ووجوه معاشهم وآراء أممهم وأهوائهم ومفاسد كل ونكتفي بنقل ما ذكره في مدينة الأحرار وهي الحكومة الديمقراطية في اصطلاح عصرنا وبثبوت عدم كونها مدينة فاضلة تثبت عدم كون غيرها بطريق أولى ولعلّنا نشير إلى تفسير بعض ما ذكره في موضع آخر . قال أبو نصر الفارابي : فأما المدينة الجماعية فهي المدينة التي كل واحد من أهلها مطلق مخلّى بنفسه يعمل ما شاء وأهلها متساوون ويكون سننهم أن لافضل لإنسان على إنسان في شيء أصلاً ويكون أهلها أحراراً يعملون بما شاؤوا وهؤلاء لا يكون لأحد منهم على أحد منهم ومن غيرهم سلطان إلاّ أن يعمل فيما تزاد به حريتهم فتحدث فيهم أخلاق كثيرة وهمم كثيرة وشهوات كثيرة والتذاذ بأشياء كثيرة لا تحصى كثيرة وتكون أهلها طوائف كثيرة متشابهة ومتبائنة لا يحصون كثيرة ( إلى أن قال : ) ويكون من يراُسهم إنما يرأسهم بإرادة المرؤوسين ويكون رؤساؤهم على هوى المرؤوسين وإذا استعصى اُمرهم لم يكن فيهم في الحقيقة لا رئيس ولا مرؤوس إلاّ الذين هم محمودون عندهم ( . . . ) ويكون جميع الهمم والأغراض الجاهلية من هذه المدينة على أتم ما يكون وأكثر ، وتكون هذه المدينة من مدنهم هي المدينة المعجبة والمدينة السعيدة ( . . . ) وتكون محبوبة محبوب السكنى بها عند كل أحد لأن كل انسان كان له هوى وشهوة ما قدر على نيلها من هذه المدينة فيهرع الأمم إليها فيسكنونها فيعظم عظماً بلا تقدير ويتوالد فيها الناس من كل جيل ( . . . ) وتجمع فيها الأهواء والسير كلها فلذلك ليس يمتنع إذا تمادى الزمان بها إن ينشأ فيها الأفاضل فيتفق فيها وجود الحكماء والخطباء والشعراء في كل ضرب من الأمور ويمكن أن يتلقط منها أجزاء للمدينة الفاضلة وهذا من حين ما نشأوا في هذه المدينة ولهذا صارت هذه أكثر المدن الجاهلية خيراً وشراً معاً وكلّما صارت أكبر وأعم وأكثر أهلاً وأرحب وأكمل للناس كان هذان أكثر وأعظم . انتهى ما أردنا نقله من كتابه في السياسات المدنية وقد وصف من قبل ألف سنة المدن الديمقراطية الحاضرة كأنه رآها ودخلها وسبر أهلها ولعل مَن نشأ وتربّى مدة من عمره في واشنكتن أو لندن لم يقدر على وصف المدينة بهذه الصفة وبالجملة المدينة الجماعية في اصطلاحه هي التي قبلها كثير من بلاد النصارى في زماننا وحصل فيها ما ذكره الفارابي من وجود الحكماء والخطباء ومع ذلك ليست هي عنده المدينة الفاضلة التي هي الغاية المقصودة لاجتماع الإنسان ولا عند الشيعة الإماميّة فإنها المدينة التي أهلها صالحون يجرى فيها أحكام الله تعالى المنزلة على رسوله بيد الإمام المعصوم ومدينة الجماعية لا تخلو عن خطأ وغلط واستئثار وإن كانت تخلو عن الظلم والفتن في الجملة . ( ش )