مولي محمد صالح المازندراني
184
شرح أصول الكافي
قوله : ( على حدِّ الشرك بالله ) توضيح ذلك إنَّ الإسلام واسطة بين الشرك والإيمان والرَّاد على إمام الوقت ( 1 ) وخليفة الله في الأرض في قضيّة صغيرة أو كبيرة مكذِّب له والمكذِّب له يتنزَّل من درجة الإيمان إلى درجة الإسلام وهي حدُّ الشرك فيتسلّط عليه زمرة الشياطين فيدخلونه في الشرك كما ترى في كثير من أهل الإسلام مثل المجسّمة والمصوِّرة والأشاعرة القائلين بزيادة الصفات وأضرابهم فانَّ كلّهم لمّا وقعوا في حدِّ الشرك دخلوا فيه من حيث لا يعلمون . قوله : ( جعلهم الله أركان الأرض ) كما أنَّ للبناء أركاناً بها وجوده وثباته كذلك للأرض أركان وهم
--> 1 - قوله : « والراد على إمام الوقت » هذا حكم متوقف على عصمة الإمام من السهو والخطأ وإلاّ جاز للرعيّة الرد عليه وإنكاره بغير إشكال إذا إطلعوا على سهوه وخطائه ، وأعلم أن هذه الإطاعة المطلقة للإمام على ما يقول به الشيعة الإمامية أيّدهم الله ليس بمعنى الحكومة المطلقة التي أطبق المتفكرون من أهل العلم على ردّها وإبطالها لأن هذه الحكومة التي نعتقدها للمعصوم ( عليه السلام ) مقيّدة بإرادة الله وأحكامه وشرائعه وإنما نوجب إطاعته لأنّا نعلم أنه ( عليه السلام ) لا يجاوز أمر الله تعالى وهذا الذي لا يخالف في حُسنه سائر الملّيين وبعض الفلاسفة المتأخرين أيضاً ، وأما أهل السُنّة والجماعة فمع أنهم لا يقولون بالعصمة لم يروا الرد على الخليفة وتنبيهه على خطائه ممنوعاً محرّماً ولم يجوّزوا له أن يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد بل يجب عندهم أن يكون مقيّداً بالشرع وأحكامه وإلاّ فلا يجوز إطاعته ، وقال بعض النصارى : إن الحكومة المطلقة لم تكن قط في بلادهم بل كانوا قبل العصر الجديد مقيّدين بحفظ قواعد دينهم وأصولهم ولم يكن ما يخالفها قانونيّة مشروعة وقال رجل من فلاسفتهم في العصر الأخير يُسمّى بونالد : إن الحكومة المقيّدة بمراعاة أحكام الدين وشرائع الأنبياء ( عليهم السلام ) هي أحسن أنواع الحكومات وأوفق للطبيعة البشرية لا الحكومة المطلقة ولا المقيّدة بآراء الناس وهذا عين مذهب أهل السنّة . وقال بعضهم : إن الحكومة المطلقة لم تُشرّع في الأمم المتدينة بالشرائع السماوية كدولة بني إسرائيل في عهدهم ولا في دول المسيحيين والمسلمين المنكرين للظلم والتعدي على حقوق الأفراد والقائلين بحرمة نفوس الإنسان ودمهم وعرضهم وإنما كانت في الأمم الجاهلية الأولى : والوثنيين وربما يستحسنها الماديون والملاحدة في عصرنا أما الأولى : كدولة فرعون وبخت نصر وغيره فقد انقرضوا بغلبة الأديان السماوية عليهم وقهر الطبيعة الإنسانيّة المختارة لهم ، وأما الثانية : فليس لهم إلاّ شبه محجوجة وسينقرضون البتة بعد ثوبت حرية الإنسان طبعاً وأمثال ذلك كثير في كتبهم يدل على أن عدم تقيد الحكومة بشيء يخالف الطبيعة البشرية واختاروا في هذا العصر نوعاً من الحكومة سمّوها الديمقراطية أو الحكومة الدستورية وهي الحكومة المقيّدة بمراعاة آراء أغلب الرعايا وقبله كثير من المسلمين أيضاً . ( ش )