مولي محمد صالح المازندراني
101
شرح أصول الكافي
المعروف في الجدليّات والمغالطات . قوله : ( تتكلّم وأقرب ما تكون - الخ ) الواو للحال والأقرب هو الأقرب في الفهم أو الأقرب في النقل والمراد به ذمّه ببعده عن طريق الحقِّ والأثر الصدق مع وضوحه فكأنّه في أثناء المناظرة ترك ما ينفعه من الخبر الصحيح الظاهر وتمسّك بالأباطيل ولذلك قال ( عليه السلام ) : ( وقليل الحقِّ يكفي عن كثير الباطل ) . قوله : ( تمزج الحقَّ مع الباطل ) يعني تتمسّك بالشبهة لدفع الباطل إذ الشبهة إنّما سمّيت شبهة لأجل أنّها بمزج الحقَّ مع الباطل تشبه الحقَّ إمّا في صورته أو في مادَّته أو فيهما معاً . قوله : ( قفّازان ) بالقاف وشدِّ الفاء والزَّاي المعجمة : من القفز وهو الوثوب أي وثّابان من مقام إلى مقام آخر ، غير ثابتين على أمر واحد ، وفي بعض النسخ بالرَّاء المهملة من القفر : وهو المتابعة والاقتفاء ، يقال : اقتفرت الأثر وتقفّرته أي تتبّعته وقفوته يعني إنّكما تتبعان الخصم وتقتفيان باطله لقصد إلزامه بالباطل . قوله : ( حاذقان ) بالقاف : من الحذاقة وهي المهارة أي ماهران في الوثوب واقتفاء الخصم بالباطل وفي بعض النسخ بالفاء من وهو القطع أي قاطعان الباطل بالباطل . قوله : ( لا تكاد تقع تلوي رجليك ) تكاد : من الأفعال المقاربة اسمه ضمير الخطاب المستكنُّ وخبره تقع بصيغة الخطاب ، وتلوي : من لويت عنقه إذ فتلته بدل من « تقع » أو بيان له والمقصود نفي قرب وقوعه على الأرض وفتل رجليه وإزلاقهما وهو كناية عن كمال ثباته في مقام المناظرة . قوله : ( إذا هممت بالأرض طرت ) تقول هممت بالشيء أهمُّ همّاً إذ أرته وعزمت عليه ولعلَّ المقصود ذو همّة عظيمة إذا قصدت شيئاً وعزمت عليه أمضيته في أقرب الأوقات . قوله : ( مثلك فليكلّم الناس ) دلَّ على الإذن في المناظرة ( 1 ) لإثبات الحقِّ لمن هو مثله ( 2 ) في
--> 1 - « قوله دل على الأذن في المناظرة » يكفي في تجويز المناظرة آيات القرآن الكريم وهي كثيرة جداً وعمل أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) أيضاً ، ولا ريب أن العلم من حيث هو علم ليس حراماً ولا العالم به مذموماً حتى العلم بمذاهب الكفار ووجوه الضلال وأقوال الملاحدة وطرق استنباط الأحكام الشرعية من القياس والاستحسانات وعلم السحر وأقسام القمار واصطلاحات الموسيقى وأسامي آلاته وإنما الحرام ما يترتب على العمل بها من المفاسد والقبائح ، وقالوا يجوز تعلم السحر لإبطال السحر ولنقض دعوى المتنبي ، ويجوز حفظ كتب الضلال للرد على أهله فكل ما ورد في ذم علم والمنع منه إنما ينصرف إلى الجهة المقبحة التي تستلزم الفساد . وورد في الأحاديث النهي عن الكلام أكثر مما ورد عن التصوف وذم المتكلمين أفحش من ذم الصوفية والمنجمين ، وفي كتاب كشف المحجة أن مؤمن الطاق استأذن على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فلم يأذن له لكونه متكلّماً وقال : ان الكلام والخصومات تفسد النيّة وتمحق الدين وعنه ( عليه السلام ) أيضاً « متكلّموا هذه العصابة من شرار من هم منهم » ولو ورد مثل ذلك في النجوم والمنجمين لكان كافياً في إدارة الدوائر عليهم وإبطالهم ولعنهم وطردهم من قبل أهل الحديث وكل من هو عدو لعلم يمكنه أن يجد في الأحاديث ما يؤيد به مدعاه ، والأخباريون منا جمعوا روايات ذموا بها المجتهدين وأهل النظر وغرضهم الفرار من ثقل الاصطلاحات والتفكر في أمور عجزوا عنه وإبداء عذر لجهلهم وأنهم لم يتعلّموها لحرمتها ومنع الشرع عنها لا لنقصان عقلهم وقلّة فهمهم وقصور ذهنهم عن فهم المطالب الدقيقة وبالله التوفيق . ( ش ) 2 - قوله « لمن هو مثله » الجدل لقوم والبرهان لقوم والخطابة لقوم كما قال الله تعالى ( ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة ) يعني بالبرهان ( والموعظة الحسنة ) يعني الخطابة ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) والمناسب للعاقل المنصف أن يتعلم الدين وأصول العقائد بالأدلة المبتنية على اليقينيات وهي الأوليات والمشاهدات والتجربيات والحدسيات والمتواترات وقضايا قياساتها معها ، وانحصارها في هذه الست بالاستقراء ، والمناسب لرد الخصوم التمسك بالمشهورات والمسلّمات ولغالب الناس من العوام الخطابة إذ ليسوا خصماء حتى يجادل معهم ولا مسلمات لديهم وليسوا مستعدين لفهم الدلائل البرهانية إلاّ في مالابد منه من إثبات الواجب والنبوة بالأوليات والمتواترات والحدسيات التي يفهمها جمع الناس ومقصود الشارح من قوله لمن هو مثله أنه لا يجوز التكلّم بالجدل مع العامة . ( ش )