مولي محمد صالح المازندراني

199

شرح أصول الكافي

قال أبو إسحاق : فقلت للحارث : أو ما حفظتها قال : قد كتبتها فأملاها علينا من كتابه : الحمد لله الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه ، لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن ، الذي لم يلد فيكون في العز مشاركاً ولم يولد فيكون موروثاً هالكاً ، ولم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحاً ماثلاً ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلاً ، الذي ليست في أوليته نهاية ، ولا لآخريته حد ولا غاية ، الذي لم يسبقه وقت ولم يتقدمه زمان ، ولا يتعاوره زيادة ولا نقصان ولا يوصف بأين ولا بم ولا مكان ، الذي بطن من خفيات الأمور وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير ، الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض بل وصفته بفعاله ودلت عليه بآياته ، لا تستطيع عقول المتفكرين جحده ، لأن من كانت السماوات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته ، الذي نأى من الخلق فلا شيء كمثله ، الذي خلق خلقه لعبادته وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم ، وقطع عذرهم بالحجج ، فعن بينة هلك من هلك وبمنّه نجا من نجا ، ولله الفضل مبدئاً ومعيداً ، ثم إن الله - له الحمد - افتتح الحمد لنفسه وختم أمر الدنيا ومحل الآخرة بالحمد لنفسه ، فقال : وقضي بينهم بالحق ، وقيل : الحمد لله رب العالمين . الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسيد والمرتدي بالجلال بلا تمثيل ، والمستوي على العرش بغير زوال ، والمتعالي على الخلق بلا تباعد منهم ولا ملامسة منه لهم ، ليس له حد ينتهى إلى حده ، ولا له مثل فيعرف بمثله ، ذل من تجبر غيره ، وصغر من تكبر دونه ، وتواضعت الأشياء لعظمته ، وانقادت لسلطانه وعزته ، وكلّت عن إدراكه طروف العيون ، وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق . الأول قبل كل شيء ولا قبل له ، والآخر بعد كل شيء ولا بعد له ، الظاهر على كل شيء بالقهر له ، والمشاهد لجميع الأماكن بلا انتقال إليها ، لا تلمسه لامسة ولا تحسه حاسة ، هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ، أتقن ما أراد من خلقه من الأشباح كلها لا بمثال سبق إليه ولا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه ، ابتدأ ما أراد ابتداءه وأنشأ ما أراد إنشاءه ، على ما أراد من الثقلين الجن والإنس ، ليعرفوا بذلك ربوبيته وتمكن فيهم طاعته . نحمده بجميع محامده كلها ، على جميع نعمائه كلها ونستهديه لمراشد أمورنا ونعوذ به من سيئات أعمالنا ونستغفره للذنوب التي سبقت منا ونشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله ، بعثه بالحق نبياً دالاًّ عليه وهادياً إليه ، فهدى به من الضلالة واستنقذنا به من الجهالة ، من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ونال ثواباً جزيلاً ومن يعص الله ورسوله فقد خسر خسراناً مبيناً ، واستحق عذابا أليماً ، فابخعوا بما يحق عليكم من السمع والطاعة وإخلاص النصيحة وحسن المؤازرة وأعينوا على أنفسكم بلزوم الطريقة المستقيمة وهجر الأمور المكروهة ،