مولي محمد صالح المازندراني

25

شرح أصول الكافي

ثمَّ قيل : الحبُّ المفرط لا يلام صاحبه إذ لا اختيار له ولو فرض أنَّ له اختياراً فلا ريب في أنَّ كونه قابلاً من قدرته . ( وعزمك بعد أناتك وأناتك بعد عزمك ) العزم تأكّد ميل النفس إلى فعل من الأفعال ( 1 ) والقطع عليه وهو سبب قريب له تابع للإرادة التابعة للشوق التابع للتصوَّر والأناة على وزن القناة اسم من تأنّى في الأمر إذا ترفّق وتنظّر واتّأد فيه وأصل الهمزة الواو من الوني وهو الضعف والفتور ، وضبطه بعض المحقّقين « بعد إبائك » بالباء الموحدَّة التحتانية والهمزة بعد الألف والإباء الامتناع والاستنكاف ، فإن قلت : العزم فعل اختياريٌّ للنفس فلا يكون فعله تعالى ، قلت : نعم ولكن كون النفس قابلة للاتّصاف به وبضدّه من أثر قدرة الله تعالى وهذا القدر كاف هنا ، وقد يجاب بأنَّ العزم لو كان فعلاً اختياريّاً للنفس كان مسبوقاً بعزم آخر لأنَّ كلَّ فعل اختياريّ لها سببه القريب هو العزم له ، ثمّ ننقل الكلام إلى ذلك العزم فإمّا أن يذهب سلسلة العزمات المترتّبة إلى غير النهاية أو ينتهي إلى عزم ليس هو فعلاً اختياريّاً لها ، والأوّل باطل لبطلان التسلسل ولحدوث النفس ولعلمنا علماً ضروريّاً بأن ليس لنا فيما يصدر عنّا من الأفعال إلاّ عزم واحد فتعيّن الثاني وهو المطلوب . أقول : لو تمَّ هذا لجرى في الإرادة أيضاً فإن اعترف به لزم عليه أن لا يكون العبد فاعلاً مختاراً أصلاً إذ لا قدرة له في الإرادة ولا في العزم الواقع بعدها ، وإن أجاب بأنَّ الإرادة واحدة وتعلّقها متعدِّدة والتعلّق أمر اعتباري والتسلسل في الأمور الاعتباريّة جايز أو أجاب بأنّ الإرادة لا تفتقر إلى الإرادة أو بوجه آخر فهو جواب عن أصل الدَّليل أيضاً والمفهوم من كلام بعض الأصحاب ، وهو شارح كشف الحقّ للعلاّمة الحليّ : أنَّ العزم من اختيار العبد والإرادة صادرة عنه بلا اختيار حيث قال أصل القدرة والإرادة مخلوقتان في العبد لكنَّ الفعل إنّما يتحقّق بالإرادة الجامعة للشرائط وارتفاع الموانع وهي يعني الإرادة الجامعة اختياريّة . بيان ذلك : أنّه إذا حصل لنا العلم بنفع فعل تتعلّق به الإرادة بلا اختيارنا لكن تعلّق الإرادة به غير

--> 1 - قوله « إلى فعل من الأفعال » لا ريب أن إرادة الإنسان متوقفة على العلم والتصور وأنه لا يريد شيئاً إلاّ إذا عرف منه منفعة أو دفع ضرر والنفع والضرر بأسبابهما مخلوقان لله تعالى ولو لم يكن الطعام شهياً ولم يكن للإنسان حس يدركه لم يتعلق إرادته بأكله وكذلك ساير ما يريده الإنسان فصح أن يقال إرادة الإنسان من فعل الله تعالى وإن لم يستلزم كونه مجبوراً في أفعاله والفرق بين الإرادة والعزم تكلف مستغنى عنه بل لعله غير صحيح لأن الإنسان يتصور أولاً فعلاً من الأفعال ويتصور كونه مفيداً أو مضراً ولا يسمى ذلك عزماً ولا إرادة وقد يحصل بذلك له شوق ونزوع إلى الفعل وهذا أيضاً لا يسمى عزماً ولا إرادة إذا رأى مانعاً من ارتكابه والحركة إليه كالحياء أو الدين يمنعه من الحرام مع شوقه إليه ، ثم إن لم يمنعه شئ وقصد ارتكابه وتحريك عضلاته فهو إرادة وعزم وهذه الإرادة حاصلة بمقدمات غير اختيارية هي شروط لا علة تامة حتى يستلزم الجبر . ( ش )