مولي محمد صالح المازندراني

290

شرح أصول الكافي

الكتاب ، أمّا العرب فقد اتّبعوا عمرو بن لحى بن قمعة بن الياس بن مضر ( 1 ) ، وهو - كما قيل - أوّل من سنّ لهم عبادة الأصنام وشرع لهم الأحكام وبحر البحيرة وسيّب السايبة ووصّل الوصيلة وحمى الحامي وانقادوا له في ذلك بطناً بعد بطن حتى كانت لقبائلهم حول البيت ثلاثمائة وستّون صنماً سوى ما كان لهم في مواضع استقرارهم فكانت لكنانة وقريش اللات بنخلة ولثقيف العزّى بالطائف وللأوس والخزرج المناة بسيف البحر إلى غير ذلك من بيوتات الأعراب ثمّ لم يكتفوا بعبادة الأصنام حتى عبدوا الجنّ والملائكة وخرقوا البنين والبنات واتّخذوا بيوتاً جعلوا لها سدنة وحجّاجاً يضاهئون بها الكعبة وحسبك بما شرعت الأعراب وخرقت ما اشتملت عليه سورة الأنعام ، وأمّا العجم فبعضهم كانوا يعبدون النيران وبعضهم كانوا يعبدون الشمس وبعضهم كانوا يعبدون البقر وبعضهم كانوا يعبدون الأصنام وبعضهم كانوا يقولون بإلهيّة بعض الأنبياء إلى غير ذلك من الملل الباطلة والمذاهب الفاسدة ، وأمّا أهل الكتاب ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) ( وقالت اليهود عزير ابن الله ) ، ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) ، ( وقالت النصارى المسيح ابن الله ) ، وغيّر الجميع كتابهم وبدّلوا شرائعهم وألحدوا في أسمائه تعالى وسمّوه بما لم يسمّ به نفسه ولم ينطق به كتابه . وبالجملة : ظلمة الكفر والجهل كانت محيطة بالربع المسكون فأرسل الله تعالى في تلك الحالة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) رحمة للعالمين وتفضّلاً على عباده لينجيهم من الجهل والشرور ويخرجهم من الظلمات إلى النور . ( واعتراض من الفتنة ) الفتنة الامتحان والاختبار ثمّ كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه

--> 1 - إلياس بن مضر من أجداد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وأمّا عمرو بن لحى ، فقد ذكر ابن هشام في السيرة أنّه خرج من مكّة إلى الشام في بعض اُموره فلمّا قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرها ، فقال : أفلا تعطونني منها صنماً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه ، فأعطوه صنماً يقال له : هبل ، فقدم به مكّة ونصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه ، انتهى . وأقول : ما أشبه عمل عمرو بن لحى بجماعة من المسلمين سافروا إلى بلاد النصارى أخذوا منهم الكفر والفواحش وروّجوها بين المسلمين وأفسدوا عليهم الدين ، والسبب الداعي لعمرو بن لحى في الجاهلية أنّ أهل الشام في ذلك العهد كانوا أظهر سلطاناً وأقوى يداً وأعلى وأقدم في التمدّن كالنصارى في عهدنا والضعفاء يرون التشبّه بالأقوياء فخراً وعزّة ، وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « رأيت عمرو بن لحى يجبر قصبة في النار » الحديث . ( ش )