مولي محمد صالح المازندراني
196
شرح أصول الكافي
علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه ؟ ) ( 1 ) الإنسان مركّب من جوهرين يطلق هذا الاسم على كلّ منهما : أحدهما : هذا الهيكل المحسوس ، وله عوارض مخصوصة به مثل حسن المنظر وقبحه وطول المقدار وقصره وسواد اللون وبياضه وصحّة العضو وفساده ، فإنّه كلّما يقال مثلاً : هذا الإنسان حسن الوجه يراد به هذا الهيكل . وثانيهما : الجوهر العاقل ، وهو النفس الناطقة ، وله عوارض مخصوصة به مثل الإدراك والتعقّل والنظر في المعقولات والتفكّر فيها ، فإنّه كلّما يقال : الإنسان نظر إلى كذا مثلاً يراد به ذلك الجوهر ، وكما أنّ كمالات هذا الهيكل التي تكون له عند تمام نشوئه ونموّه بالقوّة عند بدء فطرته وأوان طفوليّته وهو يحتاج في حركته من القوّة إلى الفعل إلى غذاء جسماني شبيه به في الجسمية لينضمّ به ويزيد مقداره حتى يبلغ غاية كماله ولا يجوز له طلب هذا الغذاء وأخذه من أي طريق كان بل لا بدّ من أخذه من طريق خاصّ قدّر له خالقه كذلك كمالات ذلك الجوهر المستور التي تكون له عند تمام نشوئه ونموّه وبلوغه إلى الغاية القصوى بالقوّة عند تعلّقه بذلك الهيكل وأوان هيولانيّته ، وهو يحتاج في حركته من القوّة إلى الفعل إلى طعام وغذاء روحاني شبيه به في الروحانية ، وهو العلم والمعرفة ليقوّيه وينقله من حال إلى حال حتى يبلغ إلى غاية كماله ، ولا يجوز له طلب هذا الغذاء وأخذه إلاّ ممّن يجوز أخذه منه ، وهو من عيّنه الخالق لتربية أرواح الخلائق وتغذية نفوسهم . إذا عرفت هذا فقد علمت أنّ تفسير الآية بما ذكر تفسير قريب ; لأنّ النظر مختصّ بذلك الجوهر ، والطعام هو ما يتغذّى به ويلتذّ به مشترك بين الجسماني والروحاني بل إطلاقه على الغذاء الروحاني أوْلى وأجدر من إطلاقه على الغذاء الجسماني ; إذ النسبة بين الغذاءين كالنسبة بين الجوهر الروحاني والجسم فيحمل على الروحاني وهو العلم لأنّه أشرف ولدلالة النظر عليه ثمّ إنّه ينبغي أخذه من الأب الروحاني وهو النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، ومن يقوم مقامه من العترة الطاهرة ولو بواسطة ، كما أنّ الطفل يأخذ طعامه الجسماني من الأبوين وهما يطعمانه أفضل ما عندهما بطيب الخاطر وكمال الشفقة لا من غيرهما بالسؤال ونحوه سيّما إذا كان ذلك الغير أيضاً فقيراً مضطرّاً محتاجاً إلى السؤال وطلب الغذاء مثله .
--> 1 - الآية في سورة عبس ، وبعده : ( إنّا صببنا الماء صبّاً * ثمّ شققنا الأرض شقّاً * فأنبتنا فيها حبّاً وعنبّاً وقضباً * وزيتوناً ونخلاً ) ، وقال العلاّمة المجلسي ( رحمه الله ) في بيانه : هذا أحد بطون الآية الكريمة ، وعلى هذا التأويل المراد بالماء : العلوم الفائضة منه تعالى ، فإنّها سبب لحياة القلوب وعمارتها ، وبالأرض : القلوب والأرواح ، وبتلك الثمرات : ثمرات تلك العلوم .