مولي محمد صالح المازندراني
19
شرح أصول الكافي
قال : فقال : « كيف يتفقّه هذا في دينه ؟ » . * الشرح : ( عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عيسى ، عمّن رواه عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال له رجل : جعلت فداك ، رجل عرف هذا الأمر ) أي أمر الإمامة واعتقد به اعتقاداً صحيحاً ، والجملة صفة لرجل عند من لم يجوز الابتداء بالنكرة المحضة أو خبر عند من جوّزه . وقوله : ( لزم بيته ) إمّا خبر وخبر بعد أخبر . ( ولم يتعرّف إلى أحد من إخوانه ) أي لم يصر معروفاً عنده لعدم تردّده إليه حتى يعرفه من قولهم : ائت فلاناً واستعرف إليه حتى يعرفك ، أو لم يتطلّب ما عند أحد حتى يعرفه من قولهم : تعرّفت ما عند فلان ، أي تطلّبت حتى عرفت . ( قال : فقال : كيف يتفّقه هذا في دينه ؟ ) والسرّ فيه أنّ التفقّه مطلوب من كلِّ أحد وأنّه لا يمكن إلاّ بالتعلّم ; لأنّ العلم بالدين متوقّف على السماع من صاحبه وواضعه بواسطة أو بغيرها ، والتعلّم لا يمكن إلاّ بالتردّد إلى من هو من أهل العلم وطول ملازمته وتكرّر مصاحبته والسؤال عنه ، فمن لزم بيته وترك التردّد أورد نفسه مورد الهلاك كمريض لم يعرض مرضه على طبيب حاذق بل ذاك أشدّ لأنّ طبيعة المريض قد تعالج المرض وتدفعه بخلاف طبيعة الجاهل ، فإنّ آثارها وأفعالها تعاضد الجهل وتزيده . لا يقال : هذا ينافي ما روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : « يا أيّها الناس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، فطوبى لمن لزم بيته وأكل قوته واشتغل بطاعة ربّه وبكى على خطيئته » ( 1 ) . لأنّا نقول : المراد به المنع من الدخول في مجالس يذكر فيها عيوب الناس كما يشعر به صدر الحديث ، أو المنع من التوغّل في طلب الدنيا وزهراتها ، كما يشعر به قوله : « وأكل قوته » يعني قوته المقدّر له ، أو نقول : هذا الحكم يعني المدح بلزوم البيت مختصّ بالعالم المستغني عن التعلّم ، كما يشعر به قوله : « واشتغل بطاعة ربّه » ; لأنّ الاشتغال بالطاعة فرع العلم بها وبشرائطها وأحكامها ، أو نقول : المراد به الحثّ على الفرار من شرار الناس وفسّاقهم كما يشعر به قوله ( صلى الله عليه وآله ) حين سئل عن أفضل الناس قال : « رجل في شِعب من الشِعاب يعبد ربّه ويدع الناس من شرّه » ( 2 ) . وبالجملة كلّ من
--> 1 - النهج - في آخر خطبة له ( عليه السلام ) ، أوّلها : « انتفعوا ببيان الله » ، رقمها 174 . 2 - رواه أحمد في مسنده ج 3 ، ص 477 ، من حديث كرز بن علقمة الخزاعي ، قال : أتى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أعرابي فقال : يا رسول الله ، هل لهذا الأمر من منتهى ؟ قال : نعم ، فمن أراد الله به خيراً من أعجم أو عرب أدخله عليهم ، ثمّ تقع فتن كالظلل يعودون فيها أساود صباً يضرب بعضكم رقاب بعض وأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شِعب من الشِعاب . . الحديث .