مولي محمد صالح المازندراني

169

شرح أصول الكافي

( عن أبي سعيد المكاري ) اسمه هشام بن حيّان الكوفي ، لم يذمّه أحد من أصحاب الرجال ، وليس في كتبهم أيضاً مدحه ، وقيل في رواية الحلبي : وهو صحيح الحديث عنه دلالة على كونه ممدوحاً ، ولا يخفى ما فيه . ( عن أبي بصير ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) في قول الله عزّ وجلّ : ( فكبكبوا فيها هم والغاوون ) ) في الصحاح : كبّه لوجهه ، أي صرعه ، فأكبّ هو على وجهه ، وكبكبه ، أي كبّه ، ومنه قوله تعالى : ( فكُبكِبوا فيها هم والغاوون ) . وقال القاضي : الكبكبة تكرير الكبِّ لتكرير معناه ، كأنّ من اُلقي في النار منكبّ مرّة بعد اُخرى حتى يستقرّ في قعرها ، والغاوون أي الضالّون الخائبون من الغيّ وهو الضلال والخيبة ، عطف على ضمير الجمع المتّصل لتأكيده بالمنفصل . ( قال : هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ) أي ضمير الجمع المتّصل قوم من العلماء المائلين إلى الدنيا ولذّاتها والتابعين للنفس الأمّارة وشهواتها الذين وصفوا عدلاً ، أي نواميس إلهيّة وشرائع نبوية وبيّنوه للناس بألسنتهم وإطلاق العدل عليها شائع في الحكمة العملية ; لأنّها تأمر بالوسط الذي هو صراط الحقّ وتنهى عن الجور الذي هو سلوك أحد طرفي الافراط والتفريط ، ومن زعم أنّ هذا التفسير أوْلى من تفسير المفسّرين لهم بالآلهة وعبدتهم لأنّ ضمير الجمع للعقلاء بخلاف قوله تعالى : ( إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم ) لجواز أن يكون وما تعبدون أصناماً آلهة ورد عليه : أنه لا منافاة بين التفسيرين ; لأنّ إطلاق الآلهة على العلماء شرعاً باعتبار الطاعة والانقياد لهم في أفعالهم وأعمالهم والاستماع إلى أقوالهم شائع ، وقد دلّ عليه قوله تعالى : ( واتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) ، ودلّت عليه الروايات المعتبرة . ( ثمّ خالفوه إلى غيره ) أي ثمّ خالفوا العدل لعدم استقراره في قلوبهم ومالوا إلى الجور واتّبعوا القوّة الوهمية والنفس الأمّارة ومشتهياتهما واقتفوا القوّة الشهوية والقوة الغضبية ومقتضياتهما ، وهؤلاء أشباه العلماء وليسوا بمتّصفين بالعلم والحكمة حقيقةً ; لأنّ العلم مقرون بالعمل ، كما مرّ مراراً ، ولذلك قال سقراط ( 1 ) : إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول ، فإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات . وقال المحقّق الطوسي : قد يصدر من بعض أقوال شبيهة بأقوال العلماء والحكماء

--> 1 - تمسّك بقول سقراط وهو اُستاذ أفلاطون ، بل هو المؤسّس للحكمة الإلهية بعد أن كان اليونانيّون معتنين غالباً بالطبيعيات « والحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها أخذها » ، سواء كان صاحبها يونانياً ، أو بابلياً ، أو مصرياً ، بشرط أن لا يقلّدهم من غير دليل ولا يتوهّم حرمة تعلّم الحكمة ; إذ نظر فيها وأتقنها كثير من علمائنا ممّا لا يطعن فيهم كالسيّد الداماد ونصير الدين الطوسي وآقا حسين الخوانساري وابنه آقا جمال الدين وغيرهم قدّس الله أسرارهم . ( ش )