مولي محمد صالح المازندراني
150
شرح أصول الكافي
كلّما رأى يوم القيامة ربح العلماء العاملين وكرامة الله تعالى عليهم ازدادت حسرته وندامته على ترك العمل ولا ينفعه الندم ، ولأنّ نفس الجاهل غير عالمة بمقدار ما يفوتها من الكمال بالتفصيل ، فإذا فارقت بدنه فهي وإن كانت محجوبة عن نعيم الجنّة وما أعدّ الله لأوليائه إلاّ أنّها لمّا لم تجد لذّتها ولم تذق حلاوتها ولم تعرف قدرها لم يكن لها كثير حسرة عليها ولا دوام أسف على التقصير في تحصيلها بالأعمال الصالحة ، بخلاف العارف بها العالم بنسبتها إلى اللذّات الدنيوية ( 1 ) فإنّه بعد المفارقة إذا علم وانكشف له أنّ الصارف له والمانع عن الوصول إليها هو تقصيره بالعمل بما علم مع علمه بمقدار ما فاته من الكمالات والدرجات والكرامات كان أسفه وحسرته على ذلك أشدّ الحسرات وأدومها ، وجرى ذلك مجرى من علم قيمة جوهرة نفيسة ثمينة تساوي جملة ماله بل الدنيا وما فيها ، ثمّ اشتغل عن حفظها وضبطها ببعض لعبه حتى فاتته بخلاف الجاهل بقيمتها . ( وكلاهما حائر بائر ) الحائر إمّا من الحيرة ، يقال : حار فلان يحير حيرة إذا تحيّر في أمره ولم يهتدِ إلى وجه مقصوده فهو حيران ، أو من الحور وهو النقصان ، يقال : نعوذ بالله من الحور بعد الكور ، أي من النقصان بعد الزيادة ، والحور أيضاً الهلكة . والبائر والبور بالضمّ الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه . وفي الصحاح : بار فلان أي هلك ، وأباره الله أهلكه ، ورجل حائر بائر إذا لم يتّجه لشيء وهو اتّباع لحائر . إذا عرفت هذا فنقول :
--> 1 - اللذّة فرع الإدراك ، ولا ريب أنّ الإدراك ليس من صفات الأجسام الجامدة ، بل هذه القوّة المدركة شعاع من عالم الغيب ، وكلّما كان الإدراك أشدّ كانت اللذّة والألم أشدّ ، وكلّما كان الكمال الذي يناله الإنسان أعظم وأكثر كان البهجة والالتذاذ به أعظم أيضاً ، ولا ينبغي أن يتوهّم أنّ الموجود المجرّد المدرك بذاته وله الكمالات العظيمة الكثيرة أقلّ لذّة وأضعف سعادة من أفراد الإنسان الشهوي في الدنيا ، ويزعم الجاهل أنّ سعادته في الدنيا عظيمة إذا كانت له شهوة يقضيها ، وليس للملائكة والعقول سعادة ولذّة أصلاً ، وليس كذلك بل الإنسان إذا لحق بهم يليق له كمالات والتذاذات من إدراكها وإفاضات من جانبهم يبتهج بها فوق ما يحصل له في الدنيا من شهواتها أضعاف مضاعفة وحسرته من فقدها والحرمان عنها أعظم من حسرة المحرومين في الدنيا كما تعلم ، وقس عظم الابتهاج بعظم القدرة وكثرة العلم ، فإنّ المجرّدات تقدر على حركة السماوات والشمس والقمر وينال علمهم كلّ شيء من الباطن والظاهر والبعيد والقريب والغيب والشهادة والماضي والمستقبل ، والإنسان محروم من ذلك كلّه في الدنيا ، ويليق أن يلحق بالمجرّدات فيبتهج ويلتذّ بتلك النسبة . ( ش )